فشلت الهدنة، وفشل معها المسعى القرطاسي، والتخدير الواهي.. دولتان عظيمتان لا تستطيعان إيقاف الحرب والقتل والتشريد والإيذاء النفسي والتسلط على الآمنين، هل بالفعل لا تستطيعان؟ أستفهم بسخرية وتهكم على الوضع المزري لذهاب الأخلاق وانعدام الإنسانية عند الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها، كلمة يروجونها ويبتاعون بها ويشترون حسب مبتغاهم (الإنسانية)، فالمضحك أنه أثناء الهدنة الغبية من أجل تقديم المساعدات (الدولتان المقترحتان للهدنة) إحداهما تطالب بهدنة وتضرب الشاحنات القادمة بحليب الأطفال؛ فروسيا قاتلة رؤوس الأطفال ومغتالة النساء مع الحاكم الغاش المدمر لشعبه المنفر وليس المبشر، يشنون أبشع وأشرس الحروب على المساكين، وعلى رؤوس المدنيين ينزلون قنابلهم وصواريخهم، وليس على جبهات القتال؛ تصفية لشعب أعزل.
أحد عشر مليون لاجئ، ما ذنبهم يخرجون من وطنهم من أجل رضا شخص أهوج، وحاكم أعوج كونه للحكم أحوج، قبح الله تلك الأخلاق والضمائر الميتة لأمم لا تنصر الضعيف، ولا تبكي على المظلوم، وآخرون بقوا في وطنهم، فنكل بهم بقنابله وبراميله المتفجرة، فجيش الجيوش الخبيثة عليهم من أنجاس الفرس والروس.
أحكي لكم موقفا مؤلما، في يوم العيد وأنا أتفحص أضحيتي لشرائها في تركيا، وإذا بعجوز أنهكها الهم والحزن، تسحب أرجلها المثقلة بالأوجاع مع أوجاع القلب، تقلب بواقي الأضاحي لاستخراج بعض اللحوم المرمية، فقربت منها وتحدثت بلغتي التي أوجعني سماعها في هذه الحال الضعيفة، فتحدثت معها بلطف، فبكت لما عرفت بأنني عربي، وأشارت إليَ إلى مكان الظل لتخرج أوجاعها وآلامها، علها تبرد ما في قلبها، فقالت وليتها ما قالت: أين العرب؟ أين المسلمون؟ أين أصحاب النخوة؟ أانتهوا؟!، قتل أبنائي الأربعة واحدا تلو الآخر أمامي، كانوا في مساكنهم، لم يحملوا سلاحا أو رشاشا، بل لأنهم بقوا في وطنهم، فيا ليتهم قتلوني معهم، وأراحوني من هذا العذاب، أحرقوا قلبي على أبنائي، وحرموني منهم، فأذاقوني اللجوء والتشرد والطرد، وعذاب الفقر والعوز والحاجة، وقبلها القتل والتنكيل والتعذيب، ولعلي أسألك يا بني: لماذا العرب وبلادهم هم فقط التي تدور بها الحروب والقتل؟ وما عداه فلا!.
فما عساني أقول لها: إلا أن الشكوى على الله، فنزلت دمعتي ألما على حالها وحالنا كعرب ومسلمين.