يمر المجتمع السعودي حاليا وأكثر من أي وقت مضى بمخاض حضاري جذري، أبرز أوجهه تتمثل في أجيال من النساء والفتيات المتعلمات المثقفات المتصلات بالعالم واللاتي بات لديهن وعي واثق بالذات وبحقوقهن وبحس العدل مع طموح كبير علمي وعملي ورؤية خاصة لمستقبلهن، وما عدن يقبلن بالظروف القاسية وغير الكريمة التي كانت النساء سابقا يقبلن بها.
وفي الوقت ذاته، الثقافة العامة التقليدية السائدة ما زالت تفرض عليهن الرضى بالأحوال الدونية وغير العادلة وغير الكريمة التي يأباها الرجل على نفسه، وهذا تسبب في حدوث تصادم مؤسف بين الجانبين؛ يتمثل في ظواهر العنف الأسري الذي يصل لدرجة القتل وبخاصة جرائم قتل الزوجات للأزواج ليتبين لاحقا أن الزوج كان يضرب ويعذب زوجته وأطفاله ويهددهم بالقتل وعندما لجأت الزوجة لأهلها وأرادت الطلاق أجبروها على العودة إليه، وانتهى الأمر إلى قتل الزوجة لزوجها دفاعا عن نفسها وأطفالها وبالطبع لا يجمع أحد لها دية بعشرات الملايين، وأيضا ظواهر هروب الفتيات من بيوتهن والانتحار وسلوكيات الهروب العقلي والنفسي كالإدمان والأمراض العقلية والنفسية الناتجة عن شدة الضغوط النفسية هذا غير الأضرار العضوية للعنف الأسري التي تصل لدرجة الموت.
وللأسف أن الهيئات التي يفترض أن تقوم بدور فاعل في مساعدة ضحايا هذا المخاض الصعب والخطير ما زالت مكبلة بالثقافة التقليدية، وهذا أفقدها الفاعلية الحقيقية، ووسائل ومواقع التواصل الاجتماعي كشفت بشفافية حقيقة تأزم هذا المخاض وغياب الإجراءات التي تسهل وتساعد في جعل هذه المرحلة الانتقالية أكثر سلاسة، فيوميا هناك مناشدات واستغاثات من فتيات ونساء يستنجدن ببني وطنهن لإنقاذهن مما يتعرضن له من تعذيب وتهديد بالقتل من قبل أهاليهن أو إساءة المعاملة في دور الرعاية، فما أقساه من حال.
قرأت قولا لضحية: إن الناس لا يشعرون بالأمان إلا عندما يدخلون لبيوتهم، بينما ضحية هذه الظروف لا تشعر بالأمان إلا عندما تكون خارج البيت. وفي مثل هذا الواقع يصبح على أصحاب التأثير العام مسؤولية المساعدة في تغيير الثقافة التقليدية السائدة التي تولد مثل هذه الأنماط السلوكية المتجبرة التي تتسبب بكل هذا العنف والمعاناة وإهدار مواهب الضحايا وحرمان المجتمع منها.
ولنتساءل بشفافية وصراحة: هل أن أصحاب التأثير العام يساعدون في تسهيل مخاض هذه المرحلة الانتقالية أم تأزيمه بالوقوف موقف المعادي لحقوق المرأة؟ والنتيجة أن تبعات هذا الصدام ستزيد تأزما إلى أن يتولد وعي جديد لدى صناع الثقافة العامة والقوانين يجعل واقع حياة وحقوق النساء أفضل.