القرار الذي أقره مؤخرا الكونغرس الأمريكي والمعروف باسم «قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب» والذي يقال بأنه سيسمح بمقاضاة السعودية بجانب عدد من الدول الأخرى بتهمة التورط بهجمات 11 سبتمبر 2001، هو قانون تخجل من الاعتراف به حتى المنظمات والحركات المناهضة للشرعية أو الخارجة عن القانون، لأنه باختصار شديد فضيحة بكل المقاييس، وعار ليس على العدالة فقط وإنما على المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وأتوقع بأن أعضاء الكونغرس في ذلك اليوم خرجوا من اجتماعهم المشؤوم الذي أقروا فيه هذا القانون وهم يحاولون تغطية وجوههم عن فلاشات عدسات الصحفيين لأنهم يدركون في قرارة أنفسهم بأنهم مدانون بارتكاب فضيحة عارمة وجريمة لا تغتفر!؟
هذا القانون الذي أقره مؤخرا ودون حياء الكونغرس الأمريكي، ربما يكون القانون الوحيد في العالم الذي لا تحتاج لقراءة مواده حتى تتمكن من الطعن فيه (موضوعا) وإنما يكفيك المرور على عنوانه الصادم فقط لتشرع على الفور في تقديم العديد من الطعون (الشكلية) خاصة أنه مستوحى من الخيال الفنتازي الذي عجز عن تقديمه حتى يومنا هذا أكبر مخرجي وصناع السينما بمدينة الإنتاج العالمية هوليود !
هذا القانون يسمح لأهالي الضحايا بمحاكمة الدولة المتهمة برعاية الإرهاب في محاكم مقر إقامتهم في نيويورك، وهو ما يتعارض مع أبسط أحكام القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة الداعية جميعها إلى ضرورة الالتزام التام بمبدأ سيادة الدولة، والذي يعني أن لكل دولة بالعالم صغيرة كانت أم عظمى سلطة عليا لا تعرف فيما تنظم من علاقات سلطة عليا أخرى إلى جانبها، كذلك يمكن الطعن في هذا القانون أيضا، بأنه كيدي ظاهره نصرة المتضررين وباطنه تشويه سمعة الدول المتهمة لأغراض سياسية واقتصادية بحتة، كما أن هذا القانون يأتي بعد 15 سنة من كارثة 11 سبتمبر وهو ما يعني طوق نجاة أو مخرج طوارئ لفشل المحاكمات والقضايا التي رفعت طوال هذه السنين ضد الخونة والمتهمين الحقيقيين في إنجاح ارتكاب هذه الكارثة!
تأييد هذا القانون من قبل مجلس الشيوخ وظهور سناتور في كل مرة يسانده فقط لأن السعودية «ليست أحد بلدانه المفضلة»، يظهر النية المبيتة والحقد الدفين الذي يقف وراء إصدار هذا القانون الغريب.
ما نعرفه وما تعلمناه أن الجريمة ترتكب ثم ينظر للقانون الموجود الذي يحكمها لا أن ينظم القانون ويفصل بحسب الأهواء لكارثة حدثت قبل عقود، وإلا فإن هذا يعني بأن النصوص التي سيتضمنها ستكون بمثابة الأحكام المسبقة التي تفتقر إلى الموضوعية والحياد، القانون العادل أيضا حين يصدر يجب أن ينص في ختام بنوده على أنه يسري على الأحداث التي تقع ابتداء من تاريخ صدوره لا أن يسري أثرها على حادثة وقعت منذ زمن بعيد، هذا القانون أيضا يضعف من حظوظ الدول المتهمة في الدفاع عن نفسها لأن أي أدلة قد تطلب منها لدحض الافتراءات قد لا تتوفر لديها لطول المدة، هذا القانون المستفز أيضا يجعل من أمريكا (الخصم والحكم) وبالتالي لا أظنهم بحاجة إلى إنشاء محكمة أو تعيين قضاة أو اختيار هيئة للمحلفين، فالأحكام معروفة والإدانة واضحة حتى دون برهان أو دليل!.