سئل حكيم: ما أكثر ما يدهشك في الكون؟
فأجاب: الإنسان.
لأنه يضحي بصحته من أجل المال، ثم يضحي بالمال من أجل استعادة صحته.
وهو قلق جدا على مستقبله لدرجة أنه لا يستمتع بحاضره، فيعيش كأنه لن يموت أبدا، ولكنه يموت، وكأنه لم يعش أبدا.
وتلك حقيقة نلمسها في واقعنا المحيط بنا، فكثيرون أولئك الذين يفنون صحتهم في جمع المال، يعملون ليلا ونهارا، لا يعطون لأبدانهم وأهاليهم حقوقهم، مع أننا أمرنا أن نعطي لأبداننا حقها من الراحة، ولذوينا حقهم في الاهتمام بأمورهم ورعايتها والقيام على كل ما من شأنه إسعادهم، وهذا يشمل بالطبع الترويح والترفيه والتنزه وصلة الأرحام، ونحوها من السلوكيات التي تنعكس آثارها الإيجابية على أفراد الأسرة جميعا.
وفجأة، تخور القوى، ويصاب اللاهث وراء المال، المنهك لإمكاناته، فيتجه شرقا وغربا، وينفق جل ما جمعه من مال – إن لم يكن كله – من أجل أن يتعافى مما أصابه من أمراض، ونسمع منه عبارات التمني التي لا تفيد: ليتني فعلت كذا وكذا، وينتهي الأمر به إلى ما كان عليه – وربما أسوأ – قبل أن يتفرغ لجمع المال.
وكثيرون منا – كذلك – أولئك الذين يحملون هم الغد، نفقات الأبناء وزوجاتهم، واحتياجات البنات، وطلبات الزوجة – أو الزوجات، الأمر الذي يدفعه إلى قضاء نهاره كادا كادحا منهكا، ولعله قلق أرق، يفكر في ما يسد به هذه الاحتياجات المتزايدة، فلا يسعد بلحظاته وعمره وحاضره، وتغيب عن خاطره حقيقة الموت، ولو وعاها لعاش حياته كما ينبغي له، وكما أراد الله تعالى له أن يعيش، إذ عليه العمل، وعلى الله وحده الاتكال، لكن هيهات لأولئك، وأنى لهم الوقت الذي يفكرون فيه في الموت، وقد انشغل كل فكرهم في متطلبات الحياة، وهو حتما سيموت، فإن مات فكأنه لم يعش أبدا.
حقا يا حكيم، الإنسان أكثر ما يدهش في هذا الوجود، سخر الله تعالى له الكون كله، وضمن له الرزق، وطمأنه عما يلحق به من أحداث، فهي من تدبير الخالق لا البشر، ولما كان الخالق أرحم بعباده من البشر أنفسهم، فهذا كله – من المفترض – أن ينزل السكينة على قلوب هؤلاء القلقين.
لا يعني كلامي هذا أن يتقاعس المرء عن العمل، وأن يخلد إلى الراحة والسكينة، ويقضي يومه وليله مستمتعا بالحياة وزخرفها، ولكن الاعتدال مطلوب، وقد نبهنا المولى عز وجل إلى هذه الوسطية في قصة قارون حين قال جل شأنه: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا»، أما أن يسعى المرء جاهدا بكل السبل، مشروعة وغير مشروعة، لأخذ أنصبة الآخرين من الدنيا والتعدي عليها، فهذا هو التطرف والتجاوز والطغيان بحق.
فليتدبر كل منا حاله، يومه وليله، عمله وراحته، أسرته وعلاقاته، حاجاته وإمكاناته، وليغرس في قلبه إيمانا لا يتزعزع بالقدر الإلهي، والعناية الربانية لمخلوقاته جميعها، وأشرفها الإنسان.
حقا، خلق الإنسان في كبد، فاللهم ارزقنا الرضا بما قسمت لنا، وبارك لنا فيه.


Dr.rasheed17@gmail.com