أفتش في جميع وسائل الإعلام السعودية أو بالأحرى المحسوبة على السعودية فلا أرى رأياً رياضياً بنّاءً، وجد كاتبه مشكلةً فسارع لطرحها وإيجاد الحلول لها، وجُلّ الكُتّاب فيها يكتبون من مدرجات فرقهم التي يشجعونها، هذا يدافع عن حقّ فريقه المسلوب -حسب نظره- وذاك ينافح عن فريقه الذي لم ينصفه الحكم، والآخر يحارب من أجل لقبٍ لا يستحقه إلا فريقه (البطل غير المتوّج)، وآخر يستصغر منجزات فريق منافس ويزدري كل ما يحيط به.
لم أجد طرحاً يستحق أن يتبوأ مكانة المقال الرياضي الهادف البنّاء الذي يحمل رأياً أو آراء تنعكس إيجاباً على الرياضة في بلادنا بشكلٍ عام ويستفيد منها الشباب ويبنون خططهم عليها ويقتدون بعقل صاحبها النيّر.
حتى الرجال حاملو الدرجات العلمية العالية الذين يعوّل عليهم المجتمع ويتأمل أن تكون لهم بصمات في خدمته في شتى جوانب الحياة لم يأتوا إلا بما جاء به (كاتب المدرّج)، وهم في نهاية المطاف مجرّد (شمّامي مؤامرات دنيئة)، لا يرونها بأعينهم ولا يسمعونها بآذانهم ولا يجدون لها آثاراً، بل يحسّونها بحاسّة الشمّ!
يتهمون رياضة بلادنا بالفساد ويسيئون لكل الرياضيين، ويشككون في كل المنجزات الوطنية السابقة وسيستمر تشكيكهم في المنجزات اللاحقة، ويبنون اتهاماتهم على توقعاتهم التي لا تستند على ما يشفع لهم أمام عقلاء المجتمع.
ليت هذه الشكوك في محلها والمشكلات قائمة ومرئية رأي العين حتى تتضافر الجهود وتتكاتف العزوم على إصلاح خللها فنشكر مكتشفها ومن أوجد الحلول للقضاء عليها.
المنتخب على أبواب كأس العالم ويحتاج وقفةً صادقةً من جميع المواطنين سواء كانوا مسؤولين أم رياضيين أو حتى مجرد متابعين، وليس إثارة الأزمات والبلبلة وتشتيت أذهان لاعبيه،
والدوري للتوّ ابتدأ وتبقى منه أربع وعشرون جولةً، وهاتان الجولتان اللتان تصدر بهما بطل العام الماضي ووصيفه وصاحب المركز الثالث وكلهم متساوون في عدد النقاط، وكأن دوري العام الماضي ما زال مستمراً على ترتيبه الذي انتهى عليه، كيف لهذه الحقائق الصامدة أن تهتز أو تتغيّر إلا في العقول الخربة الموبوءة التي يحدوها عن تحقيق أهدافها الإيمان بنظرية المؤامرة.
وقعت حادثة الشمّ (التي لم يذكر مثلها في البلاد) فاقتادت على آثارها الحمقى والرعاع والسذّج فصفقوا وفرحوا وهللوا واستبشروا.
ولا أدري ما الذي أفرحهم ونحن نفيق على خبر كارثة وقع علينا كالصاعقة، مفاده أن رياضتنا بها مؤامرات دنيئة وفساد، حتى وإن كان الخبر محض افتراء، لكنه مؤلمٌ والفرح به سفاهة عقل.
ليتني أرى في مقبل الأيام طرحاً حقيقياً لمشكلة أو لمشكلات في رياضتنا ويُتبع هذا الطرح بحلول يستفيد منها الجميع رياضيين وصحفيين وكتّاب ومواطنين عاديّين، ولعل مَن وجد مشكلةً ألا يتوقف عند باب تويتر (متفذلكاً) ومتهكماً بأهل وطنه ومسيئاً لهم بين أقرانهم في الدول الأخرى، بل عليه طرق الأبواب كلها بدءاً بباب الوالد القائد خادم الحرمين الشريفين ومروراً بباب ولي عهده وباب ولي ولي عهده وانتهاءً بباب رئيس هيئة الرياضة وأبواب أخرى كلها لم توصد، وإبداء وجهة نظره ورأيه حول المشكلة إن كان صادقاً مهتمّاً بمشكلات الوطن ومتجرداً من ميول المدرّج التي أشكّ بل إني على يقين أن عدم التجرّد منها هو السبب الرئيس وراء فساد الرأي الرياضي في بلادنا.
وقفة:
لست مع تكميم الأفواه لكنّي أرى أن الإنسان مقيّدٌ بجرائر لسانه ويده، ويجب أن يعي أن سيادة القانون كامنةٌ له في كلّ السّبُل.