فجع العالم مؤخرا بجريمة قتل جماعي في العاصمة اليابانية قام الجاني فيها وهو ياباني باقتحام منشأة لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقة البالغة وقتل تسعة عشر وأصاب نحو الخمسين بطعنات بليغة بالسكاكين، وكان قد عمل في هذا المركز وصرح بعدما سلم نفسه للشرطة بأنه يريد جعل العالم أفضل بقتل كل أصحاب الاحتياجات الخاصة، وكان قد أرسل قبلها رسالة إلى رئيس مجلس النواب الياباني يدعوه فيها إلى قتل المعاقين ويبدي فيها استعداده للقيام بهذه «المهمة» وقتل جميع المعاقين في اليابان والعالم ويطلب منه تأمين دخوله لدور الرعاية التي يقيمون فيها ليقوم بدوره بقتلهم، وهو في هذا ليس أول مختل أراد القيام بمثل هذه الجريمة، فقد سبقه النظام النازي بزعامة هتلر في القتل الجماعي لكل أصحاب الاحتياجات الخاصة سواء من الذين كانت إعاقاتهم جسدية أو عقلية ونفسية وحتى الأطفال الذين صنفوا بأن قدراتهم العقلية منخفضة نتيجة عدم إجادتهم للرياضات كانوا يحولون إلى منشأة خاصة رغما عن أهلهم يقوم فيها الأطباء بقتلهم جميعا وأحيانا بعد إجراء تجارب طبية مروعة عليهم، والعقيدة النازية بالعموم تقول إنه يجب تطهير العالم من كل الفئات والأعراق التي لا تتمتع بمثالية طوباوية ومن ضمنهم كان العرب وقد قتل مئات العرب نساء ورجالا في معسكرات النازية «كتاب: العرب في المحرقة النازية، المؤلف: غيرهرد هب، 2006م»، وهذا هو تماما محرك الحركات والجماعات الخوارجية «من الخوارج» فهي تعتقد بأنه يجب القيام بعملية إبادة شاملة لكل من عقيدته لا تعتبر مثالية بشكل طوباوي حتى من المسلمين الذين يكفرونهم على أدنى عدم مثالية في تدينهم حسب منظورهم المتنطع للمثالية الدينية، ودائما الحركات التي أحدثت القدر الأكبر من الإفساد والإبادة الجماعية في الأرض كانت هي التي لها هذا المنظور وتريد خلق عالم طوباوي عبر إبادة كل من تراه غير مثالي حسب منظورها للمثالية الطوباوية مثل محاكم التفتيش الصليبية وحركة التطهير المعادية للدين التي تلت الثورة الفرنسية والفاشية والشيوعية وحروب التطهير العرقي والديني في القرن العشرين في البوسنة وكوسوفا وراوندا وحاليا «داعش»، مع العلم أن مصطلح اليوتوبيا أو الطوباوية يعني؛ «المكان المثالي بشكل خيالي لا وجود له»، وأثبت الواقع أن كل حركات «اليوتوبيا» تتحول إلى «ديستوبيا» أي ما يشبه الجحيم وإن كان ظاهرها دعوى جنة الدولة الفاضلة الطوباوية لكونها مخالفة لفطرة نسبية المثالية فهي تتطلب قدرا متصاعدا من الترهيب والقتل الجماعي لإبقائها ولذا لا تعمر طويلا.


bushra.sbe@gmail.com