الحج مدرسة إيمانية عظيمة لمن استطاع إليه سبيلا، عندما يقف ضيوف الرحمن على الصعيد الطاهر في زمن ومكان معلومين بلباس واحد خاشعين متضرعين إلى العلي القدير، رجاء في العفو والمغفرة والفوز بالحج المبرور والذنب المغفور. والحج أيضا في مقاصده ومناسكه مدرسة تربوية لمن يتدبر رحلة الطهر والإيمان وينهل منها دروسها ما يهذب النفس ويعلي خُلق التراحم والتعاون والاستقامة، والعزم والصدق بتقوى الله في السر والعلن، عندما يلتزم بصحيح المناسك ومعاني أدائها بخشوع وسكينة وتدبر وتوبة صادقة، عندها يدرك زادا عظيما في حياته لرحلة العمر.
لنفترض ونتخيل، لو أن الملايين من الحجاج في الزمان والمكان الواحد يتحركون دون تنظيم ولا التزام ولا تراحم، كم يكون الواقع خطيرا، فما الأنظمة والتعليمات الخاصة بالحج وعشرات الآلاف من كافة الأجهزة الحكومية المعنية والأهلية في هذا البلد الطيب، وسخاء الدولة على مشاريع الحج إنما هو لأمن وسلامة ضيوف الرحمن وتوفير أعلى درجات الرعاية ليؤدوا مناسكهم في طمأنينة ويسر وسهولة، ويتفرغوا لأداء عباداتهم وشعائرهم دونما شاغل غيرها.
لو أدرك كل حاج وغير الحاج جوهر الأنظمة والجهود، وأن الحج مدرسة للالتزام والسكينة والتعاون والصدق، لترسخت في يقينه قيم الحقوق والواجبات وتكون منهجا لحياته وضابطا لسلوكه. ومثال مهم على ذلك هو تصريح الحج للمواطنين والمقيمين، وتنظيم حملات (الحج عبادة وسلوك حضاري) إنما وضعت لتعزيز قيم إيجابية هادفة لوعي الجميع.
ببساطة شديدة، السلوك الحضاري فضيلة لحياة إنسانية علينا أن نسعى إليها، ونربي النشء عليها ونكون قدوة لهم في ذلك، وأن ننظر للأخلاق بأنها أهم من الماديات على أهميتها، وإذا ترسخت الفضائل في التفكير والسلوك والمعاملة، استقامت الحياة وتوفرت أسباب الخير في الدارين، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فهي تبني الإنسان كما هو العلم، بل هما متلازمان لتفاصيل الحياة، وكما قال الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
التقوى ومخافة الله مفتاح كل خير، والأخلاق في القلب منها هي السبيل إلى ذلك. من هنا فإن الالتزام بالتعليمات والأنظمة ينبع أولا من الوعي إذا ترسخ، بغض النظر عن العقوبة الواجبة للمخالفة، ولو أن الذين يتحايلون للحج دون تصريح، وضعاف النفوس الذين ينقلون المخالفين، استحضروا قيمة الالتزام في نفوسهم وعظّموه في ضمائرهم، لما أقدموا على المخالفة وعرضوا أنفسهم للعقوبات.
والذين يزاحمون ويتدافعون متجاهلين التعليمات وغافلين عن روح التراحم والتعاون، إنما يعرضون أنفسهم وغيرهم لمخاطر التدافع، كذلك حملات حجاج الداخل التي تروج لخدماتها بأفضل الشعارات وتتحصل على المبالغ مقدما ثم تترك حجاجها بلا خدمة ولا رعاية، والذين يفتحون مخازنهم لتسويق بضائع وأغذية راكدة قاربت على انتهاء الصلاحية، كل ذلك ليس من أخلاق المسلم.
كذلك الذين يلقون بمخلفات أطعمتهم وأمتعتهم في منطقة المشاعر المقدسة وفي الشوارع ومحيط المطاعم، والذين يستغلون الموسم لمضاعفة أجور النقل عشرات الأضعاف دون رحمة ولا قناعة في نفوسهم، وغير ذلك الكثير من المخالفات، لكن الأخطر والذي لا يمكن التساهل فيه هو أي محاولة من بعض الحجاج لاستغلال موسم الحج في إثارة مشكلات ورفع شعارات سياسية وتكدير صفو وخشوع الحجاج، وهو ما لا تسمح به المملكة مطلقا وتنبه إلى ذلك دائما.. الحج نبع صافٍ من منابع الأخلاق والالتزام، وفرصة لكل ذي عزيمة لتغيير إيجابي نحو السلوك الحضاري.