«في الوقت الراهن نحن أحوج ما نكون إلى الاعتدال».. هكذا أوجز مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، أصل الداء والدواء، وهذا يهمنا ويهم الأمة أكثر من أي وقت مضى، لاسيما أن الأخطار والتيارات بكافة أشكالها وصورها تعصف بالأمة، كما قال سموه، معبرا عن واقع الحياة المعاصرة في ظل تفشي الإرهاب كسلوك دموي مدفوع بالفكر الضال.
كرسي الأمير خالد الفيصل لتأصيل منهج الاعتدال السعودي انطلق قبل نحو أربع سنوات، وأنجز عشرات الأبحاث فاقت السبعين بحثا، كما استفاد من الكرسي العلمي أكثر من 30 ألف شاب وفتاة، و6618 صفحة في موسوعته العلمية، وهي أرقام مهمة تعني الحرص على الوصول إلى عمق المجتمع، خاصة في أوساط الطلاب والشباب عامة من الجنسين، والقدرة على إيصال الرؤية العلمية لمحاربة التطرف، من خلال مبادرات وعمل ميداني شدد عليه الأمير الجليل، خلال اطلاعه على خطة تحويل الكرسي العلمي إلى مركز يعنى بفكر وثقافة الاعتدال.
تحصين العقل أمر أساسي لإذابة جبل الجليد غير المرئي في تفاصيل كثيرة عن قضايا التربية والشباب، ومظاهر غفلة الأسرة، واستغراق الإعلام العربي بين برامج سطحية، وملاحقة الأحداث بالمنطقة والعالم، ورمادية أصوات دعوية مستترة غير متبصرة، لذلك فالأمانة في رقاب الجميع.. الفرد والأسرة ومؤسسات المجتمع المعنية بالتنشئة والتوعية الإعلامية والدعوية والتثقيفية.
كل هذه الأطراف لا بد من تكامل أدوارها بجدية، وفي كل الأحوال ضرورة حضور العقل البحثي، ليرصد بعمق جوانب تأصيل الاعتدال وتشريح أسباب الغلو والإرهاب، وتحليل علمي يصل إلى نتائج وخلاصات مؤثرة بقدر التفاعل المتبادل مع دوائر المجتمع ومؤسساته، للتغيير الممنهج والتقييم المستمر لهذا التغير، ودون ذلك فالدعم والجهد والأهداف بلا طائل.
تحويل الكرسي العلمي إلى مركز معني بمنهج الاعتدال، خطوة مهمة لتوسيع عدسة المجهر للتشخيص ورؤية العلاج وخارطة طريق لروافد فكر وثقافة الاعتدال. فإذا كان الجميع يدرك مدى خطورة الإرهاب ويقف صفا واحدا مع جهود الدولة ممثلة في بواسل الأمن بكافة أجهزته، فإن مكافحة التطرف وترسيخ ثقافة الوسطية تحتاج إلى اليقظة العقلية لسد منافذ متسارعة ودهاليز متغيرة ومتلونة للشرور، لا يناسبها مغاليق زمان في ظل شبكات التواصل التي هي أيضا سلاح أفاعي الفكر الضال باسم الدين، والدين منهم براء.
مغاليق الشر في عصرنا هذا تكمن في مفاتيح الوعي العقلي واستجابة الجميع وفي المقدمة الأسرة، لذا يظل الدور البحثي ضرورة في رصد وتشخيص أزمة الفكر الضال ومعالجته، فمعرفة أصول الظواهر تختصر الطريق، وهذا مطلوب لضمان تربة صالحة لثقافة الاعتدال والوسطية ولفظ التطرف وأشكاله. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
المسؤولية كبيرة على عاتق وسائل الإعلام والدعوة والتعليم، لتمد يدها لرسالة المركز القادم وكل جهة بحثية لتقوية فاعلية المجتمع، فالحرب على الإرهاب تبدأ من جذوره بالتصدي لمظاهر الفكر الضال الذي هو رأس الأفعى والسلاح القاتل الذي يتم تذخيره بعقول انتحارية مجرمة في غفلة عن الأسرة والمجتمع.
مركز الأمير خالد للاعتدال خطوة مباركة ندعو لها بالتوفيق، وللمقاصد الوطنية والرؤية البصيرة لسمو الأمير خالد الفيصل، وهو صاحب الفكر التنويري البنائي وطنيا وعربيا، وعزيمة متجددة للإسهام في معركة الوطن ضد التطرف والإرهاب من خلال مركز الاعتدال الذي سينطلق برصيد بحثي وعملي مقدر.


mahmoudx@gmail.com