تنعم المملكة بفضل جهود قادتها ويقظة أجهزتها الأمنية بنعمة الأمن كواحدة من أعظم النعم التي بقيت تمثل لعددٍ من دول العالم هاجساً وإشكالاً في حال فقدها، وأمراً يضع كل أشكال الشرعية في تلك البلدان على المحك كلما تراجع مستوى السلم المدني وزاد العنف، كما أنه يضع المختصين في حيرة فيما يتعلق بقياس رفاهية المجتمعات، وأن القيم الأخرى من ثراء وتقدم صناعي ومعرفي وتحسن في الصحة تبقى قيماً هشة إذا ما فقدت الأمان بشقيه، الجسدي والنفسي، وإذا ما تطرقنا لأحد منغصات الأمن والأمان في العالم، بالإضافة للإرهاب، وتمعّنا في الجدل الحاصل في بعض الدول المتقدمة مثل أمريكا وألمانيا وبريطانيا بشأن توفر السلاح في أيدي المراهقين وما ترتب على ذلك من وقائع دامية، ومحاولات تلك الدول للحد من انتشار الأسلحة لوجدنا كل ذلك بمثابة جرس إنذار لنا في بلادنا، مع أن الجهات الأمنية قطعت شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه ولم يتبق لها سوى متابعة الوصول إلى التطبيق الفعلي للقوانين بالتضامن مع الجهات الأخرى ذات العلاقة.

وما نلمسه اليوم من جرائم إطلاق نار في المملكة وخاصة بين المراهقين ومعرفة المواطن بتوفر السلاح في أيديهم، يوجب إعادة النظر في دور الجهات الأمنية لمنع السلاح غير المرخص ونزع التراخيص في حالة الإخلال بضوابط الاستخدام وجعل المنع حقيقياً لا مجرد حبر على ورق.

إن الجهات الأمنية الباسلة التي بذلت الغالي والنفيس للدفاع عن البلاد من شر الإرهاب ودحضت شراذم الفتنة وأعوانها لن تقف عاجزة عن وضع آليات جديدة للقضاء على هذه الظاهرة التي تتغذى من معين العنف وتشترك في تهديد السلم المدني، ولن تتردد في ردع المتاجرين بالأسلحة ورصد الميزانيات اللازمة لمشروع «شوارع بلا سلاح»، وكذلك دور الجهات الإعلامية في التوعية ونشر قيم السلم المدني وجعله حاجة وضرورة.

فعلى مؤسسات الإعلام والنخب الفكرية الوطنية نشر مبادئ تؤسس لثقافة رفض انتشار السلاح، وتؤكد أن المجتمع بعد قرن من التوحيد، أصبح مجتمعاً مدنياً يقدر نعمة الأمن وسيادة القانون، وأن جشع المتكسبين بتجارة السلاح وتهريبه، وبعض ملاك القنوات، تصب في الحرب على الوطن والمواطن وتهدد الأمن.

إن الجريمة المتمثلة في صناعة وعي مشوّه لدى الشاب السعودي لم تأت من فراغ بل تضامنت فيها عوامل عديدة تجمع بين التهاون في تطبيق القانون والتراجع عن توعية أبنائنا وتركهم فيما يشبه «الردّة الحضارية» يقدسون العنف والدماء حتى أصبح بعضهم صيداً سهلاً للجماعات المغرضة والمعادية للوطن وأداة لتنفيذ نشر الفوضى في ظل وفرة السلاح وإن كانت على نطاق محدود.

وكذلك دور الجهات التعليمية والتربوية في نشر قيم السلم في مناهجنا التعليمية وضرورة تحويل بوصلة الفخر والتفاخر العشائري والمناطقي إلى قيم عصرية مثل الإبداع والاختراع لخدمة البشرية بالخير.

إن تمجيد السيوف والبنادق والمعارك والغزوات والنهب والسلب والكسب غير المشروع إن لم يكن يتوفر بشكل صريح في المناهج الخاضعة للرقابة الحكومية فقد يتوفر في عقول بعض المعلمين الذين عجزوا عن الاندماج في الرسالة الوطنيّة وعن الاحتفاظ برؤاهم الذاتية لأنفسهم بل نجحوا في تصدير وعيهم الهزيل وانتكاساتهم الشخصية إلى التلاميذ حتى أصبح الطالب المثالي لا يقاس بالمواهب والمهارات في العلم والمعرفة بقدر ما يقاس بأنه «فتوة الحارة» الذي يمتلك عضلاتٍ وسجل مضاربات فقط.

يجب وضع خطة واضحة الغايات وبرامج قابلة للقياس لمراقبة المدارس المتسمة بالعنف ووضعها تحت المجهر وملاحقة عوامل تهديد السلم المدني فيها، لأن بيئات كهذه ستكون أقل نصيباً في توعية المجتمع بضرورة المحافظة على نعمة الأمن والأمان في صورتها المدنية المتمثلة في ثقافة القانون والالتزام بالأنظمة وتجنب بناء وطن يشبه «حارة كل من إيدو إلو».

إنه لا يكفي لجعل القوانين واقعاً معاشاً أن توضع على الأدراج ويعاد لها عند الضرورة بل تحتاج إلى متابعة وخطط للتأكد من سيادة القانون والاستعانة بمؤشرات لقياس أداء الجهات الأمنية ونتائج أعمالها والوقوف على نتائج الإحصائيات ومراجعة الخلل وتقبل النقد البناء والتعاون بين مؤسسات الأمن ومؤسسات الإعلام والتعليم في الدفع بالأجيال إلى مقاطعة الماضي الذي كان قبل تأسيس هذ الدولة أقرب إلى شريعة الغاب التي عاش فيها الإنسان منبتّاً لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع!



fahadalbandar@