من مشاهد ووقائع اختلال الثقافة الحقوقية داخل المجتمع بشقيه الحكومي والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، ولم يسعفني الوقت لأكتب عن قصور هيئات حقوق الإنسان الوطنية والحكومية وتقصيرها الشديد في نشر الثقافة الحقوقية وتغيير المفاهيم السلبية السائدة، وكحقوقي أضع عليها أكبر قدر من العتب واللوم ومعها هيئة مكافحة الفساد، فهذه الثلاث الجهات مجتمعة كان يمكن لها في السنوات الخمس الماضية تعزيز ونشر الثقافة الحقوقية ومكافحة الفساد في جميع سلطات الدولة وقطاعاتها المختلفة، لكنها عانت مما يعاني منه المجتمع من تفشي ظاهرة ضعف الثقافة الحقوقية فلم تمكنها من القيام بواجباتها الأساسية في العمل في الأعماق والأساسات والجذور وليس في الشكليات وتعبئة الفراغات الإعلامية التي تزيد المشكلات وتولد الإحساس بالإحباط وضياع الحلم بالتصحيح من أجل سيادة القانون على الجميع.
ولذلك فإننا بحاجة ماسة إلى مراجعة كاملة ودقيقة لكل ما يتعلق بالشأن القانوني الحقوقي ابتداء من كليات وأقسام القانون والشريعة في الجامعات الحكومية والخاصة ومعها معهد الإدارة العامة المتسبب في تفويج أجيال مختلفة من خريجي الجغرافيا والتاريخ وتزويدهم بدبلوم غريب ظناً بكفاية ذلك لتحويلهم إلى حقوقيين ورجال قانون.
نحتاج إلى تطوير برامج ومخرجات كليات القانون والشريعة التي هي الأقرب لتأهيل القضاة ليكون واضحاً منذ الدراسة بالكلية أن هناك مساراً لقسم القضاء وآخر للادعاء العام، كما هو الحال للقانون، ولا ننسى المعهد العالي للقضاء ومخرجاته التي احتاجها مشروع تطوير القضاء والآن هو بحاجة ماسة لتعديل جذري لمواكبة القضاء المتخصص من محاكم ودوائر للتخلص من ازدواجية القضاء بين محاكم متخصصة ولجان يفوق عددها 100 لجنة لا نعلم أيها الأفضل للمجتمع والاقتصاد وأصحاب المصالح والحقوق بين قضاء رفض كثيراً من القضايا ولجان فصلت لأصحاب الحقوق.
ولا تزال هناك أدوار مهمة كبيرة لوزارة العدل في نشر ثقافة الحقوق وليس فقط خدمة القضاء والقضاة وتجهيز المحاكم، ولعل مركز التدريب العدلي سيكون من أهم مرتكزات تطوير العمل القضائي، خصوصاً لتدريب أعوان ومساعدي القضاة والجهاز الإداري في المحاكم وكتابة العدل، ولكن ننتظر أن يساهم المركز في ترسيخ الثقافة الحقوقية لدى جميع قطاعات الدولة، وأن تعمم الوزارة على مستشاري الدولة أن تقديم الاستشارات خطأ قانوني ومخالفة تستوجب العقاب.
إن «رؤية 2030» التي طلب فيها الملك سلمان من المواطنين العمل على تفعيلها تعني أن تحقيق الرؤية لم يعد قاصراً على شراكة مع القطاع الخاص بل يشمل المواطنين جميعاً، وذلك يتطلب ثقافة قانونية ووعياً حقوقياً أفضل وأكبر بالحقوق والواجبات والالتزامات تجاه الوطن، ولهذا يجب أن يكون هناك حراك جذري جديد أساسه العدل وسيادة القانون يبدأ من وزارة العدل.