لا شك أن الثانوية العامة في نظامنا التعليمي قد أصبحت تشكل معضلة كبرى لكثير من الأسر السعودية، فهي تمثل مفترقا، بعدها يحدد أبناؤنا وبناتنا مصيرهم، أو بالأحرى يحدد لهم هذا النظام مصيرهم ومستقبلهم، ولا شك في أن التوجيه الرشيد لإمكانات شبابنا العلمية، لا يعود مردوده على الأفراد وحسب، وإنما ينعم بثماره اليانعة المجتمع كله، فهو سر التقدم والازدهار الحضاري لبلادنا، وهو ما دفعني -وغيري الغيورين على تقدم هذا البلد وازدهاره، وبخاصة أننا من ذوي الخبرات في المجال التعليمي بالمملكة- لأن نكتب كثيرا عن تطوير المنظومة التعليمية كلها بالبلاد، فنحن -وهذا حق لنا- نحلم بأن نكون في مصاف الدول المتقدمة علميا، أو على الأقل، تقليل وتقليص الفجوة، والهوة السحيقة، التي تفصل عالمنا عن الغرب، باختصار، نريد أن نخرج من مسمى «الدول النامية»، الذي له انعكاسات سلبية للغاية على المجتمع الدولي.
والنظام القائم لاختبارات الثانوية العامة، لا يعكس قدرات شبابنا من جانب، ويمثل عبئا، بل كابوسا رهيبا على الأبناء والآباء والأمهات، ويضع الجميع في رحمة «الظروف»، ظروف الطالب، ظروف البيئة، ظروف الأسرة. لا يعقل أن يمثل الاختبار الرئيسي لهذه المرحلة التعليمية المهمة والحاسمة نسبة عشرين بالمائة فقط، وأن تخصص النسبة الباقية، وهي ثمانون بالمائة لما يسمى بالتحصيل والقدرات.
ثمانون بالمائة! وهل مستقبل أبنائنا وبناتنا، يتم تحديده في ساعات معدودة؟!، فلو أن الطالب كان مرهقا لسبب ما، أو تعرض لظروف طارئة -هو أو أسرته- ليلة الامتحان، أو أثناء ذهابه للامتحان، فقل على مستقبله السلام.
لا نريد أن تكون منظومتنا التعليمية السعودية بمثابة حقل تجارب على أبنائنا وبناتنا، نعم. لا بأس أن نحذو حذو الدول المتقدمة، وأن نستفيد من تجارب الأمم والشعوب الأخرى، لكننا نرفض تماما أن نكون «استنساخا» لما يحدث في دولة أو أخرى.
لذلك أدعو إلى تشكيل هيئة قومية سعودية، تتولى -بعناية وتؤدة- تطوير المنظومة التعليمية بالبلاد، بدءا من الطالب، والمعلم والمقررات الدراسية، وأنظمة الاختبارات، بما يتناسب مع المكونات الاجتماعية للمجتمع السعودي، على أن تراعي في ذلك كله معايير حاسمة، كالجودة، ومجاراة التقدم، وقدرات الطلاب، وحاجة المجتمع، ولا بأس أن تسهم الحوارات المجتمعية التي يشارك فيها الطلاب وأولياء الأمور وذوو الخبرات التعليمية والتربوية في وضع تصورات عامة لنظام أمثل، يفك عقدة «الثانوية العامة»، ويحقق العدالة المرجوة، ويعكس بطريقة واقعية المستوى الفكري والعلمي لشبابنا.
إن المشاركة المجتمعية في وضع منظومة التعليم في بلادنا، ستخفف حتما من هذا العبء الثقيل الذي باتت تمثله امتحانات الثانوية العامة في بلادنا، وربما كانت مخرجات هذه المشاركة نموذجا يحتذى به في دول الجوار. وما ذلك على الله بعزيز.