استيقظ النبي دانيال ذات يوم فزعاً، فقد توالت عليه أحلام غريبة لم يجد لها تفسيرا، كان مما رأى «أن أربعة حيوانات عظيمة مختلفة صعدت من البحر المحيط، الأول: كالأسد، ولـه جناحا نسر، والثاني: كالدب، وفي فمه ثلاثة أضلع، والثالث: مثل النمر، وله أربعة أجنحة وأربعة رؤوس، والرابع: حيوان هائل قوي لـه أسنان من حديد، أكل وداس بقية الحيوانات برجليه، وله عشرة قرون طلع بينها قرن صغير طلعت من قدامه ثلاثة قرون، وظهر لهذا القرن الصغير عيون، وفم إنسان، فتكلم بإلحاد وكفر، ثم تكون نهاية القرن الصغير هي الهلاك على يد قديم الأيام ذي العرش الذي تخدمه الألوف المؤلفة». (سفر الرؤيا).
حين اندلعت انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر من عام 2000، تلاها في يومها الثاني الحادثة الشهيرة «مقتل محمد الدرة» أمام عدسات الكاميرا، أصدر الدكتور سفر الحوالي في تلك الأجواء كتاباً بعنوان (يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟)، تنبأ فيه بزوال دولة إسرائيل، محدداً الميعاد بالتاريخ الهجري والميلادي. كان ذلك في بداية الألفية الثالثة، التي سبقها كم كبير من الأقاويل والحكايات والأساطير المنسوجة حول انقلاب العالم رأساً على عقب حين يدخل عام ألفين، وتبدأ «الملحمة الكبرى بين الحق والباطل»!
كان مما جاء في مقدمة كتاب الحوالي: «هذا الكتاب بشرى للمستضعفين في الأرض المحتلة خاصة وللمسلمين عامة. هو قراءة تفسيرية لنبوءات التوراة عن نهاية دولة إسرائيل، مع توضيح الصفات اليهودية من الأسفار والأناجيل، وتقديم بعض المفاتيح المجانية لأهل الكتاب؛ لحل التناقضات الموجودة عندهم في تأويل نبوءاتهم».
بنى الحوالي نبوءته بزوال دولة إسرائيل من نصوص وأسفار العهد القديم عند اليهود، وبالأخص من رؤى النبي دانيال -الشخصية المحورية في التراث اليهودي والمسيحي-، ومن خلال هذه الرؤى وتفسيرها استطاع أن يصل الحوالي إلى نتيجة مفادها أن دولة إسرائيل هي «رجسة الخراب»، وسوف تسقط بعد مرور 45 سنة من قيامها.
الغريب أن الحوالي يؤمن بأن الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى هي محرفة ومبدلة، وهذا هو الموقف السائد عند عموم المسلمين، بل إن الموقف الشرعي يقوم على أن المسلم منهي عن الاطلاع على التوراة والإنجيل، كما يقول الإمام النووي: «وكتب التّوراة والإِنجيل: ممّا يحرم الانتفاع به، لأنّهم بدّلوا وغيّروا»، فقد جاء القرآن لما فيها «ناسخاً ومهيمناً». لكن الحوالي رغم ذلك استمات وحاول كل جهده أن يستنتج من الكتب المقدسة، ومن الرؤى والأحلام والأساطير التي وردت فيها ما يؤكد نهاية دولة إسرائيل، ويقرر صحة الموقف الإسلامي تجاه فلسطين، ومن ذلك يقول: «نحن المسلمون تشهد لنا نصوص الكتب المقدسة، وتخدمنا حقائق التاريخ». يقول هذا الكلام مع أنه قرر في مواضع أخرى أن الحق قد ضاع عند أهل الكتاب بسبب «تجاهل مقصود وتحريف متعمد»، ويشدد في مجمل كتابه على أهمية -افتراض التحريف- أثناء قراءة الكتب المقدسة، وأن هناك مشكلة عامة في نصوص أهل الكتاب وهي «تعرضها للتحريف منذ القدم».
نحن هنا أمام حالة من الارتباك، إذا كانت الكتب المقدسة محرفة، كيف يمكن التنبؤ من خلالها بأحداث المستقبل، هل يعتد بأخبارها وقصصها؟ وهل شهادتها بحق الإسلام والمسلمين تعنينا؟! وإن كانت مختلطة بنصوص صحيحة وأخرى مكذوبة فما هو المعيار الذي نفرق به بين هذه النصوص!
الحوالي تجاوز إلى أبعد من ذلك وقرر أن الحقيقة موجودة في «الكتب المقدسة المحرفة» في نصيحة وجهها لعموم اليهود قائلا: «إنني أنصح كل يهودي في أرضنا المحتلة ألا يدع التوراة حكراً على محترفي الكهانة، الذين يحصلون على إعفاء مجاني من الخدمة العسكرية، بينما هو يقدم نفسه من أجلها وأجلهم. إنني أنصحه أن يقرأها ولكن بعقله ووعيه لا بشروحاتهم وتأويلاتهم، وسيرى الحقيقة التي لابد للعالم كله أن يراها عما قريب»!!
تذبذب واضطراب واضح، تارة بين الإقرار القاطع بتعرض الكتب المقدسة للتحريف على يد اليهود، وتارة أخرى بأنها تحوي الحق الدال على بطلان دولة إسرائيل!
هذه الحالة من القلق والتذبذب بدت واضحة في أسلوب الحوالي وتعاطيه مع القضية، ولذلك وصف دراسته بأنها «استدعاء للاحتياطي والاحتمالي» كما يقول: «فمن حق المسلمين المستضعفين في هذه المعركة الطويلة الشرسة استدعاء الاحتياطي، والاحتياطي هنا هو دراسة الأصول العقدية للعدو ولنفسيته وسلوكه، من خلال مصادره وتراثه التي هي عماد روحه المعنوي وإيمانه بقضيته». كأنه بعبارة أخرى يشير إلى أن هذه الدراسة هدفها البحث عن بصيص الأمل، وتلمس طريق الخلاص في ظل هذه المحنة والاستضعاف، حتى لو كان ذلك من نصوص احتمالية محرفة، وروئ وأحلام لا أصل لها.
في هذا السياق يرد الحوالي مترحماً معتذرا للشيخ الهندي رحمت الله الكيرواني (توفي في مكة 1891) الذي أبطل كل نبوءات الأسفار، ورفض إسقاطها على الواقع، لأنها «كذب، وكلام فاسد في أصله»، قائلا: «رحم الله الشيخ الهندي لقد كان في وسعه أن يعلق الأمر، لأن الجزم بنفي أمر محتمل الوقوع عقلاً فيه مجازفة، وإن كانت الغاية إثبات التحريف، إذ ليس كل شيء محرف باتفاق، فلا أقل من أن ندع للاحتمال مجالاً».
وسط هذه الحالة الاحتمالية التي تغذي نفسها من «كتب محرفة»، وضع الحوالي «رهانه» بعد دراسة لنصوص من سفر الرؤيا وسفر دانيال، وحزقيال، وميخا، وغيرها، محاولا فك رموز رؤى متتالية بدءا من رؤيا الملك بوختنصر، ثم رؤى دانيال، وما حوته من أحاديث حول الممالك وصراعها. فتعسف تعبير الرؤى التي حدثت قبل أكثر من ألفي سنة، وأسقطها على الواقع المعاصر بما يوافق نظريته، فقال إن الممالك الواردة في رؤيا دانيال هي «أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا إسرائيل» (راجع الرؤيا الواردة في أول المقال). وبعد شرح طويل، واستعراض للآراء والتحليلات في تفسير هذه الرؤى ومناقشتها يصل الحوالي إلى تحديد موعد زوال دولة إسرائيل، فيقول في خاتمة الكتاب: «بقي السؤال الأخير والصعب: متى يحل يوم الغضب؟ ومتى يُدمر الله رجسة الخراب (إسرائيل)؟ ومتى تفك قيود القدس وتعود لها حقوقها؟ إن الإجابة قد سبقت ضمناً فحين حدد دانيال المدة بين الكرب والفرج، وبين عهد الضيقة وعهد الطوبى، كانت كما سبق (45) سنة!! وقد رأينا أن تحديده قيام دولة الرجس في القدس كان سنة (1967) وهو ما قد وقع. وعليه فتكون النهاية سنة (1967 + 45) = 2012 أي سنة (1387+45) = 1433هـ».
إذن عام 2012 هو العام الذي ستزول فيه دولة إسرائيل. يتردد الحوالي في الجزم، ويختم بنص متذبذب آخر: «هو ما نرجو وقوعه ولا نجزم -إلا إذا صدقه الواقع- لكن لو دخل معنا الأصوليون في رهان كما دخلت قريش مع أبي بكر الصديق بشأن الروم، فسوف يخسرون قطعاً وبلا أدنى ريب».
الحقيقة أن سنة 2012 ليست سنة اعتيادية في عالم الأساطير، وحكايات نهاية الزمان، فهذا العام يعتبر من أشهر الأعوام المرتبطة بقصص نهاية العالم، وعند شعب المايا عقيدة تقوم على تنبؤات تفترض تحولات وكوارث كبرى تحدث في 12 ديسمبر 2012 ويكون ذلك إشارة على بدء نهاية العالم. لكن 2012 جاءت ورحلت ولم يحدث شيء.
جاءت سنة 2012 ورحلت، ولم تسقط دولة إسرائيل -كما تنبأ الحوالي-، بل سقطت عواصم عربية عريقة بفعل رياح «الربيع العربي» وطوفان الفوضى، فحلت عليها «أيام الغضب»، وتطاحن العرب فيما بينهم، واقتتلوا، وانهارت دول كانت يوما صرحا من صروح الحضارة العربية.
من يدري.. ربما أن نبوءة الحوالي جاءت في الاتجاه المعاكس!
* كاتب سعودي