في هذه الأثناء، أنظر إلى كوكب الأرض المليء بالحروب والانقلابات، وكأنه جسد مريض مسجى على السرير الأبيض بغرفة الإنعاش، أراه الآن من خلف الزجاج، محاطا بالفريق الطبي الذي يجري محاولة أخيرة لإبقائه على قيد الحياة ولو لأيام قليلة، قبل أن تنتكس حالته وتسوء ثانية، وها هو الدكتور ينظر إلى أفراد طاقمه ويهز رأسه، في دلالة واضحة على أن الكوكب أخذ يستجيب لجهاز التنفس وبدأت بلدانه المقسمة بالشهيق والزفير، وها هو جهاز القلب ينجح بفعل صدماته الكهربائية في إعادة النبض لتلك المدن المنكوبة التي داهمتها نوبات المتطرفين، وها هي مجموعة العقاقير والأدوية تخفف الألم وتعيد شيئاً من الابتسامة لتلك المناطق السياحية والواجهات البحرية!؟
كانت لهذا الكوكب فرصة ثمينة لاستعادة عافيته والعيش بسلام، فيما لو اتخذ العالم منذ وقت مبكر قرار استئصال الورم الخبيث (بشار) من العضو الذي أصابه، وفيما لو استجاب هذا العالم لمطالب الشعب المشروعة المتمثلة في الإصلاح والحرية، ولكنه اختار أن يقف موقف المتفرج على هذا الطاغية، وهو يدك بالبراميل المتفجرة الأحياء السكنية بحلب ودرعا وريف دمشق، وهو يدفن آلاف الأطفال والشيوخ والنساء أحياء تحت أنقاض منازلهم، وعاما بعد عام استشرى المرض، حتى ظهرت تقرحات التنظيمات الإرهابية وبدأ نزيف الجماعات الإجرامية المسلحة!
الألم الذي يعانيه الكوكب اليوم، فظيع جداً، ولم يعد محصوراً على القدس أو سورية، بل تفشى وأصبح من الصعب التنبؤ به، كونه يأتي فجأة وبمضاعفات شيطانية يمكنها اختراق أكبر الأجهزة المخابراتية، شاهدنا الألم كيف ألهب خاصرة مدينة أورلاندو الأمريكية مع حادثة إطلاق النار واحتجاز الرهائن بالملهى الليلي، شاهدنا الألم كيف مزق أحشاء ساحة نيس الفرنسية بحافلة دهست حشود الأبرياء وهم يحتفلون بالعيد الوطني، شاهدنا الألم كيف شق رأس جمهورية ألمانيا الاتحادية عندما قام لاجئ أفغاني (17 عاماً) بالاعتداء على مسافري محطة القطار بالسكين والفأس!
حين يفيق هذا الكوكب ويستيقظ معه ضمير العالم، يبادر إلى إصدار القرارات الأممية وعقد التحالفات الدولية لإدانة الانتهاكات الإسرائيلية ومحاربة أخطر الجماعات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة، حينها يبدأ الشجب والاستنكار وتبدأ الطائرات الحربية شن غاراتها الجوية على المواقع المستهدفة، وفي اللحظة التي يشعر فيها المجتمع الدولي بدنو أجل تلك التنظيمات الدموية، يرن جرس الإنذار بغرفة التمريض، فيهرع الطاقم الطبي لغرفة الإنعاش ليجد الكوكب في حالة حرجة جداً وقد دخل في مرحلة اللاوعي، حينها تبدأ هلوسات دوله العظمى فاضحة أسرار مؤامراتها المؤيدة للاحتلال والهادفة إلى زعزعة الأمن وتجزئة الدول العربية ودعم البلدان والأحزاب الطائفية!
حالة الكوكب الآن، شبه ميؤوس منها، وأقل ما يقال عنه إنه (بين الحياة والموت) وقد يلفظ أنفاسه الأخيرة في أي لحظة، خاصة بعد أن أفرزت الانتخابات الأمريكية ذلك المرشح الجمهوري المندفع ووصلت إلى سدة الرئاسة البريطانية تلك المرأة التي تختبئ خلف رداء أنيق، حيث أبدى كل منهما آراء مصيرية مثل منع المسلمين من دخول البلد، أو عدم الممانعة من ضغط زر إطلاق قنبلة نووية قد تقتل 100 ألف نسمة، وهو القرار الذي يشبه إلى حد كبير، قرار رفع الأجهزة الطبية عن هذا الكوكب وتركه يموت ليرتاح كلياً من عذاب الحروب التي يعيشها!