حماة الوطن يسهرون على سيادته وحدوده وأمنه واستقراره وعلى السلام المجتمعي الداخلي ضد الجريمة بكل أشكالها، وأخطرها الإرهاب الذي يستهدفنا ونال من دول واستباحها بشرا وحجرا وحياة، بالقتل والتدمير والإفساد في الأرض واستحل الدماء والأعراض.
هذا الخطر المستعر في المحيط بات يهدد العالم في اتجاهاته الأربع، وبات مكمن الخطر في عمق المجتمعات نفسها، وقد أصابنا ما أصابنا من خسة ودناءة جرائمه، مما يستوجب على الجميع عاجلا غير آجل اليقظة التامة وسد ثغرات لعل أخطرها بذرة تنبع من الأسرة أولا.
نتذكر عندما أطل الإرهاب بوجهه القبيح قبل أكثر من عقدين، تكشفت خلايا نائمة وكانت المواجهة الأمنية الباسلة ولا تزال قوية وبيد من حديد، وتأكد الغضب المجتمعي بالتلاحم الوطني وإجراءات تتصدى لفوضى التبرعات وضوابط صارمة لتأجير السكن، والوعي بأية عناصر وتحركات مشبوهة لا يصعب رصد شواهدها، والتصدي لخطاب وعناصر التشدد الدعوي، وهذا حتمي إلى اليوم والغد، لكن تأكد أن الخطر في الأساس ينبت ويكمن أولا في الأسرة في ظل الانفتاح الرهيب عبر العالم الافتراضي الذي بات يغزو مباشرة عقول الكثيرين بالتشكيك وقلب الحقائق ليسهل تزيين الباطل وغسل أدمغة الفرائس، حتى تندفع بلا عقل إلى شراك عناصر الفكر الضال وجماعات الإرهاب أو جرائم وانحرافات أخلاقية تتصيد الجنسين وتبتزها إليكترونيا.
اندفاع مراهقين وشباب في مقتبل العمر باسم الجهاد لتحويلهم إلى قنابل بشرية وأجساد ملغمة في غفلة من الأسرة، يجعل التصدي للإرهاب قضية أعمق وأشمل ولا نضحك على أنفسنا ويتمادى الغافلون، فالأسرة باتت مشغولة عن التربية النفسية والعقلية والأخلاقية، واختزلها كثيرون في ما تشتهي النفس، ومنحنا سلاحا ذا حدين في أيديهم ليسرحوا ويمرحوا في دهاليز الفضاء الإلكتروني المفتوح، يصادقون ويتوغلون بسذاجة وانتشاء وشعور بالذات، وتبدأ بذور الخصوصية المشوهة ويتضخم سحرها النرجسي حتى يقع مالا يُحمد عقباه دون رقيب ولا حسيب أسريا، وكيف لا يحدث ذلك ورب البيت (أب وأم) بدف الانشغال ضارب ليل نهار؟!.
تقطعت جذور وقنوات التربية الصحيحة وتسلم مفاتيحها أشرار، وفي كثير من الحالات غابت القدوة التربوية، وبالتالي المجتمع بات مشغولا بلقمة العيش وغارق في ثقافة الاستهلاك والتجارة والشطارة والربح والخسارة، لتتحول كرة الثلج للناشئة الحائرة إلى كرة لهب تتدحرج بالفكر الضال والقنابل البشرية، ولو تأملنا الانتحاري الذي استهدف رجال الأمن والمصلين في المدينة المنورة كيف تم غسل دماغه وتلغيمه وتوجيهه لتنفيذ الهدف الخسيس لأدركنا أين يبدأ الخطر!
في دول كثيرة كأمريكا وأوروبا وغيرها، رغم ما يحدث فيها من انحرافات وجرائم، يرتبط الأطفال في سن مبكرة جدا بالمعرفة داخل الأسرة أولا، ولهم ألعابهم إلكترونية أو تقليدية والقنوات التلفزيونية حسب كل مرحلة عمرية، ولا تسمح الأسرة لأطفالها بمشاهدة إلا ما يحددونه قدر المستطاع وقد رأيت ذلك مع حفيدتي، والجميل أن الأطفال يلتزمون عن قناعة بما تخططه لهم الأسرة وتوفره لنموهم الذهني بشكل صحيح.
إذا أهملت الأسرة دورها يصعب علاجه من غيرها حتى يكون آخر الدواء الكي، والتعليم يكمل ويصوغ ويبني العقل والإيجابية إذا قام برسالته، وكذلك المسجد والإعلام الفضائي الذي يجب أن يكون قاطرة تشكيل الوعي المجتمعي في كل جوانب الحياة وثقافة الوسطية ومعنى الضمير الوطني، وفي كل ذلك يطول الكلام المشوب بالألم عن أمور ممكنة وواجبة وعاجلة لكنها غائبة. حفظ الله بلادنا وشبابنا.

mahmoudx@gmail.com