كل عام وأنتم بخير، فها نحن نودع شهر الصوم؛ شهر الرحمات والمغفرة.
فالصيام يطهر النفوس ويرتقي بالأخلاق ويغذي الروح بكل ما هو طيب، وتقويم النفس وتزيينها بجميل السلوك والطبائع، والترفع عن لغو الحديث وآفات سقوط اللسان في الغيبة والنميمة بالصبر والتسامح. وليس عجيبا في شهر الصوم أن تتراجع معدلات الجريمة بأشكالها، إلا من سلم نفسه وغضبه وغيّب عقله، وهنا يؤلمنا كثيرا ما حدث من جريمة شنعاء اهتز لها ضمير المجتمع عندما قام مراهقان بقتل والدتهما طعنا ومحاولة النيل من أبيهما وأخيهما، ولا أبشع من هكذا جريمة باغتيال حق الأمومة والأبوة والأخوة غيلة، وهي ليست الجريمة الأولى التي ارتبطت -حسب ما تردد- بأفكار شيطانية ضالة، استقاها التوأم من بئر مسمم بالتطرف والتضليل، وإن كانت التحقيقات الأمنية لم تحدد بعد سبب الجريمة. وأيا كانت دوافع تلك الجريمة الشنعاء، فإنها تدق جرس إنذار لمخاطر عديدة تهملها بعض الأسر ولا تلفت انتباه المجتمع بالقدر الكافي، بعد أن انشغلنا بما هو أدنى في التربية والتنشئة.
أفكار العنف وسموم الفكر الضال يبثها ويزينها شياطين الإنس من المفسدين في الأرض الذين يتصيدون بها عقولا غضة في كل الدول، يرون فيها عجينة لينة يشكلونها بالكراهية كمشاريع إرهاب ضد الأوطان والإنسانية، وحتى بيوت الله لم تسلم من شرورهم. ورغم أية آلام، تنعم بلادنا -ولله الحمد- بالأمن والاستقرار والرخاء والتلاحم، وعجلة التنمية تتسارع وهي ترنو للمستقبل بطموح وواقعية وإرادة، وهذا يدعونا إلى تفعيل حقيقي لمسارات تنمية الإيجابية المجتمعية. فصناعة الحياة تبدأ ببناء الفرد داخل الأسرة وبالتعليم، وحتى في العمل الذي هو ساحة التطبيق الواجبة لكل القيم من إخلاص ودقة ونظافة يد وشفافية.
العيد على الأبواب حيث تهل بشائره، فلنقبل عليه بالسرور ونثر الفرح في بيوتنا وفي المجتمع، وليكن فرحنا بعيد الفطر فرصة لترسيخ القيم النبيلة واستمرار فضائل شهر الصوم في النفوس لتعمر بها القلوب وتستقيم الحياة، ونحاصر المفاسد بإصلاح الذات والوعي بتنشئة أبنائنا واستقرارهم النفسي والذهني، واستنارة بصيرتهم وتشكيل أهدافهم الإيجابية الطموحة التي فيها الخير لمستقبلهم وأسرتهم وللمجتمع والوطن.
الفرح شعور جميل مطلوب وواجب وسط زحام العصر ومتغيراته التي تسرق من النفوس سكينتها ومن الأعصاب راحتها، والفرح يحفز الفاعلية اذا اقترن بالوعي قدر المستطاع ضد فوضى إهدار الوقت وآفات النفس والغفلة، كما يكمن الفرح في البذل بروح التطوع الإيجابي البنّاء، كما نرى في أوجه العمل الخيري، وما نشاهده من أعمال وجهود الكشافة من شباب يشرح الصدر وهو يساهم ويعاون في خدمة وتنظيم وإرشاد حشود المعتمرين والزوار، وهذا رافد من روافد الخير لبناء الرجال، مثلما يسهر بواسلنا على ثغور الوطن للذود بأرواحهم عن حياضه الغالية، وحرّاس الأمن الساهرون على حماية المجتمع والمكتسبات والحقوق.
الفرح الحقيقي ليس فقط فيما نتحصل عليه من مكاسب تريح الحياة، إنما يكمن أيضا في إصلاح النفس وبذل الواجبات بعزيمة وبقيم الإسلام السمح التي يسمو بها الفرد والمجتمع، وهذا هو الجهاد الأكبر. عيدكم مبارك.