رؤية المملكة 2030 بتفاصيلها تمثل خريطة طريق واضحة، وأهدافا مرحلية طموحة مطلوب تحقيقها إن شاء الله، لتدخل بها المملكة عصرا جديدا للاقتصاد والتنمية، وتكون نقطة ارتكاز قوية للمستقبل. وحتما الوصول إلى النتائج المرجوة تحتاج إلى مقومات كثيرة أبرزها قدرة التعليم على التطور النوعي لبناء العقل القادر على استشراف تطورات العصر والإسهام فيه باعتباره الاستثمار الأغلى والأهم والذي يقع على عاتقه ما نريد.
من المقومات أيضا معالجة واقع الهرم الإداري التنفيذي بمختلف الوزارات المعنية بالرؤية، ويحتاج لكثير من الإرادة والجهد واستيعاب للأهداف وليس تصريحات تؤكد أنها وضعت برامجها ضمن الرؤية بينما ماكينة هرمها الوزاري تعكف على خططها الاستراتيجية والتفصيلية للأهداف والتوقيت والإنجاز.
كل ما يتعلق بتنفيذ الرؤية لا بد وأن يسير في خطوط متوازية متكاملة ومتناغمة، وإحداث التحول النشط، على سبيل المثال الجامعات الجديدة بعددها الحالي تغطي كافة المناطق وكثيرا من المحافظات، لكنها تتشابه أو تكاد تكون نسخة واحدة ، فلا ميزة نسبية خاصة في البحث العلمي والارتباط بطبيعة وخصائص كل منطقة، كذلك التعليم الفني على مدى عقود لم يؤخذ بثماره بما ينفع التنمية واستثمار مخرجاته إلا أخيرا في مجال التوظيف كهدف بحد ذاته، فيما التحدي الحقيقي يكمن في توجه استثمارات القطاع الخاص نحو توطين التقنية وإنتاجها مستقبلا، واستثمار الثروة البشرية في هذه المجالات وهذا جوهر التحول المنشود في هذه القطاعات.
شيء ثالث يتمثل في ثقافة المجتمع تجاه التعليم وسوق العمل، بل وقيمة العمل وأخلاقياته بتجاوز مفهوم الشهادة الجامعية كقيمة اجتماعية وواجهة حتى في القبول بالشباب المتقدمين للزواج، وليس العمل الذي يفيد الشباب والفتيات في الاستقرار ويفيد المجتمع والتنمية.
قبل نحو خمسين عاما فأكثر كانت كافة الأعمال يقوم عليها أهلنا، لكن الزمن تغير وأصبحنا نستورد بعشرات المليارات ونستقدم مئات الآلاف من البشر سنويا حتى ضغطت البطالة بقوة وأجبرتنا على إعادة النظر في كيفية توطين الوظائف والمهن، وهذا جيد لكنه يحتاج إلى رؤية خاصة بتغيير خريطة سوق العمل وثقافة المجتمع في القطاعات المهنية والتقنية تعليما وعملا وينال المواطن المهني الثقة، ولو أجرينا استقصاء مفاضلة بين المواطن والمقيم في خدمات مهنية كالكهرباء والسباكة وغيرها ستكون النتيجة غير مفاجئة لأن ثقافة المجتمع والمفاضلة لدى القطاع الخاص لم تسمح بتأكيد الثقة.
قيم العمل مهمة وأجواء العمل أساسية من جدية وإخلاص وتطوير القدرات والكفاءة، كذلك بيئة العمل حتى في العلم والأبحاث، ولو نظرنا لتجارب الدول المتقدمة سنجد العمل يسير كالساعة، دون تزويغ ولا مشاوير توصيل للمدارس، وأسواقهم تغلق مبكرا وإجازتهم يستغلونها في أعمال مفيدة حتى في منازلهم، والسهر محدود في ثقافة تلك المجتمعات فلا يضيعون ليلهم سهرا وبالتالي نهارهم مفيد، وليسوا مثلنا، وفي هذا حدث ولا حرج، ولماذا الحرج وحتى وقت الصلاة يستغرق ساعة بينما تحتاج أقل من نصف ساعة.
لدينا نماذج ناجحة لعقول وسواعد كارامكو السعودية وغيرها في نظامها العملي، وكذلك البنوك، فكل موظف أو متخصص يحرص على العمل ويكتسب خبرات، فلا هدر ولا تلاعب ولا تحايل لأن لديهم ضوابط وأهدافا وحوافز وجزاءات وهذا ما نحتاجه لتحقيق رؤية وطننا، وأن تنعكس في كل حياتنا، وعندها نقول إننا على الطريق الصحيح.