هل يقبل أحدنا أن يوصف بالنفاق؟ بالطبع لا، ومع هذا فمعظمنا إلا من رحم ربي منافقون، وسأكتفي هنا بعرض صورة واحدة من صور النفاق على المستوى الاجتماعي، وهي أعظم وأشد وأنكى صورة؛ لأنها تسود في كل الأوساط، بين المتدينين وغير المتدينين، بين العلماء والجهلاء، بين الأغنياء الأثرياء المتخمين بثرواتهم، وبين ميسوري الحال.
إن أعظم صور النفاق الاجتماعي الكريهة تتجسد في: «أن تعطي الفقراء بقايا ملابسك وطعامك، بينما تشتري للأغنياء هدايا فاخرة، ليسوا بحاجة إليها».
استحلفك بالله أن تتخيل معي، لو أنك أعطيت شخصية بارزة، مديرك أو رئيسك أو قريبك، «مشلحا» مستعملا، أو قدمت لولده حذاء ابنك الذي يمتلكه منذ شهور، أو حتى دعوته لتناول الإفطار في رمضان، وقدمت له بقايا وليمة سابقة. أولا: هل تجرؤ على ذلك؟ أتحداك أن تقول: نعم أفعل، ثم ماذا سيكون رد فعل من قدمت له المشلح أو الحذاء المستعمل، أو من دعوته على بقايا طعام من الأمس فقط، وبه ألوان شتى من الأطعمة، لن يقبل الصديق أو القريب الغني الثري هذا التصرف منك على الإطلاق، وإن تظاهر - مثلا - بقبول دعوتك وأكل البقايا، صدقني، سيشهر بك، ويجعلك أمثولة بين الأصحاب، وسيعد ذلك إما بخلا ذميما، وإما استهانة بشخصه.
وعلى الجانب الآخر، تخيل لو أنك قدمت للسائق عندك ثوبا جديدا، أو اشتريت للخادمة ملابس وأنت تشتري لابنتك، من نفس المحل الفخم الكبير، ومن نفس «الماركة» العالمية ذائعة الصيت.
وتخيل لو أنك ذهبت وأسرتك للعشاء في مطعم فخم، وجلس السائق، أو جلست الخادمة على طاولة مجاورة لك، وطلب أو طلبت طعاما تشتهي نفس كل منهما، حكى لي صديق ذهب إلى الصين في مهمة رسمية في إطار تعليم اللغة العربية للصينيين المسلمين، فإذا بالسائق المرافق، يقطن الغرفة المواجهة له في نفس الفندق، ويجلس مع كبار المسؤولين والضيوف على نفس الطاولة المستديرة الدائرة أمام أيدي وعيون الجميع، واختار من الأطعمة ما أراد.
نحن ربما ننسى في عزائمنا ونزهاتنا، السائق والخادمة، لكننا لا نسى أبدا الأصدقاء والزملاء الأفاضل من الوجهاء وأصحاب المقام الرفيع.
رأيتم ما نفعله، وهو لا يتفق مع أسس ديننا، وما يفعله الآخرون الأعاجم الذين - وإن كانوا مسلمين - إلا أنهم لا يفقهون الدين كما ندعي نحن، الذين نزل القرآن ودونت السنة على أرضهم وبلغتهم.
أي نفاق أبشع من هذا النفاق الذي يعطي من لا يستحق ما لا يستحق، ويمنع عمن يستحق ما يستحق؟!
أريدك أخي الكريم أن تجرب، ولو مرة واحدة، أن تقلب الأوضاع وتعامل الفقير معاملة الغني، وتعامل الغني معاملة الفقير، وأنظر ماذا سيكون رد فعل كل طرف.
وعلى أية حال -ولو لمرحلة مؤقته، فمن إعداد النفس البشرية على تغير ما اعتادت عليه، وتوارثته عبر الأجيال- فلنحاول اجتياز المرحلة الأولى من العلاج من هذا المرض اللعين، النفاق، ولنعامل الفقراء معاملة الأغنياء، فقد نحقق لذواتنا وأنفسنا سعادة خفية، وبركة واضحة جلية.
هذه السطور هي من مشاهد رمضان المبارك، حيث تكثر العطايا والهدايا، وتتعدد الدعوات والعزائم، والله الهادي.