حين صدر قرار قصر العمل في مهنتي بيع وصيانة أجهزة الجوال على السعوديين، أفردت بعض وسائل الإعلام استطلاعات رأي لمن أسمتهم (المختصين) أكدوا من خلالها على أن هذا القرار سيسهم في توفير الكثير من الفرص الوظيفية وسيأخذ بيد الشباب العاطلين لاقتناص ثروة اقتصادية مهدرة، وبعد انتهاء مهلة التصحيح الأولى وحلول موعد التطبيق، حضر وزير العمل والتنمية الاجتماعية بنفسه إلى مقر أكبر مجمع لبيع الجوالات بشارع فلسطين، لكنه لم يجد هناك إلا عدداً بسيطاً من المحلات التي استطاعت أن تلتزم بقرار التوطين، أما الأغلبية فكانت إما مغلقة لعدم قدرتها على التنفيذ، أو ظلت هكذا مفتوحة ــ على باب الله ــ بالرغم من عـدم وجود أي عامل سعودي فيها!؟
إذا أردتموني أن أتحدث بعاطفة، فهذا القرار يبدو جيداً، وقد يساعد على خفض معدلات البطالة، وقد يضمن لنا عدم تحويل تلك الأرباح الطائلة التي تجنيها العمالة إلى الخارج، أما إذا أمنتموني وطلبتم مني التحدث بعقل وحكمة، فالشاب السعودي لن يرضى بمثل هذه الوظيفة، وإن قبل بها على مضض، فسوف يعتبرها عملاً موقتاً، لأن أقصى راتب سيتقاضاه 4000 ريال (دون أي بدلات أو مميزات)، أما عمله اليومي فيمتد بحسب النظام إلى 10 ساعات (إذا احتسبنا فترة الراحة والصلاة)، يجلس خلالها في كشك ضيق لا تتجاوز مساحته مترين مربعين، وبمجرد أن يعرف الزبون أنه سعودي من ربعنا سيطلب منه إعادة الجوال ويعده بأن يرجع له بعد ما يشوف بقية المحلات!!
أحد أصحاب محلات الجوالات، روى لي معاناته مع أحد الشباب، يقول جاءني أول يوم كله عزيمة وإصرار، وثاني يوم ما فتح المحل إلا بعد الظهر، وثالث يوم أرسل لي رسالة يقول فيها إنه تعبان وما يقدر يداوم، أما رابع يوم فجاءني ورمى المفاتيح وقال لي «أبشرك لقيت لي شغل ثاني»، يقول صاحب المحل: «بيني وبينه عقد عمل لكن حتى لو اشتكيته ما راح يجبرونه يرجع ولا راح يمنعونه من العمل بجهة ثانية، المشكلة أن المهلة قربت ومستحيل ألاقي بديله، هذا والمطلوب الحين 50 % كيف إذا حل موعد السعودة 100 %، يا أخي أنا بعد شاب سعودي بأول الطريق وحين استثمرت بهذا النشاط كنت أنتظر منهم الدعم لا التضييق إلى هذه الدرجة، وشكلها كذا بقفل المحلات ورزقي على الله».
إذا أردتم الحقيقة، فإن هذا القرار مخالف لنظام العمل الذي لا يشترط على المنشأة سوى سعودة 75 % من عمالها، ومع هذا حتى الشركات الكبرى على أرض الواقع لا تلتزم بهذه النسبة، إذا أردتم الحقيقة، فإنه لا يصح أن نستخدم هذا القرار لمعالجة ظواهر أخرى مثل «التستر»، لأن لها أنظمة تكافحها ويفترض أن تطبق بصرامة، إذا أردتم الحقيقة، فإن هذا القرار لن يخدم سوى وزارة العمل حين يظهرها بأنها تعمل دون هوادة أو تضرب بقوة، إذا أردتم الحقيقة، انظروا إلى ما آلت إليه القرارات السابقة، مثل سعودة الليموزين وسوق الخضار، لقد حجموا كثيراً من طموحات شبابنا حتى باتت توقعاتنا للقرارات القادمة لا تتعدى سعودة البوفيهات أو محلات المندي!.