ثمة عبادات فرضها الله تعالى على عباده تؤدى في صورة جماعية، كالصلوات والحج، وفي ذلك حكم عديدة، لا يدركها إلا أصحاب العقول المستنيرة، والقلوب المعافاة من الحقد والغل والحسد، ولعل أبسط هذه الحكم هو تعارف المسلمين من أقصى الأرض إلى أدناها، فيلتقي الصيني والسوداني، كما يلتقي الياباني والمغربي، ولا بأس من تبادل المنافع، وتلك حكمة أخرى «ليشهدوا منافع لهم»، لكن ذلك كله في إطار عدم تحويل العبادة من وجهتها الرئيسية والخالصة لوجه الله تعالى، فلا تطغى مصالح الدنيا وقضاياها على الشعائر والمناسك، خصوصا وأننا أمرنا بالتوقف عما يفسد هذه العبادات من رفث أو فسوق أو جدال «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، ولا أعتقد أن أبسط القضايا السياسية وأصغرها، لا يستوجب جدالا، بين مؤيد ومعارض، ولسان حال كل دولة ينبئنا بأن الخلافات حول هذه القضايا تدفع في كثير من الأحيان لا إلى الشقاق وحسب، بل قد تكون سببا في الاقتتال، ومن ثم، فإن الجدال في الحج يبطل هذه الفريضة الواجبة، وهذا الركن الأساسي من أركان الإسلام.
لكن ملالي إيران لا يدركون ذلك جيدا، ولما كان في الأصل قد نشأ وفق اعتبارات ومواقف سياسية، تحولت فيما بعد إلى عقائد دينية، فقد طغى المفهوم السياسي على المعاملات بين الدول والأفراد، بل لقد طغى على العبادات التي لا يجوز لنا أن نغير وجهتها ونحور في مفهومها، ولعل أبرز مثال على ذلك، ما يرفعه الحجاج الإيرانيون من صور لزعمائهم وآياتهم، وما يرددونه من شعارات تأيد لهذا، وتنديد بذاك، في قلب الحرم المكي الشريف، وقد نسوا قول الحق: «فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا.
ولقد شهدت الساحة أخيرا بعض الادعاءات الباطلة من قبل إيران التي تزعم فيها منع حكومة خادم الحرمين الشريفين الحجاج الإيرانيين من أداء فريضة الحج لهذا العام، في محاولة خبيثة، وهذا أسلوب الساسة في إيران لتشويه صورة المملكة، وإثارة الرأي العام ضدها، وما يترتب على ذلك كله من تداعيات.
فعندما اجتمع المسؤولون السعوديون مع المسؤولين الإيرانيين للتنسيق بشأن الحجاج الإيرانيين فوجئوا بطلبات ما أنزل الله بها من سلطان، حيث إن الجانب الإيراني يطلب السماح من قبل السلطات السعودية للحجاج الإيرانيين بإجراء، خروج عن المألوف الديني في الحج إلى صياح وسب وقذف وتمجيد بملاليهم، ناهيك عن امتيازات خاصة بهم، لا يتمتع بها سائر الحجاج، إنها عقدة الاستعلاء والاستكبار، والشعور بأن العرق الفارسي أسمى وأنقى من سائر الأعراق، فلا عجب أن يكونوا «شعب الله المختار» من بين شعوب العالم أجمعين. المملكة لا تميز فيما تقدمه من خدمات للحجيج بين دولة وأخرى، ولكن من حكم الحج الخفية، المساواة بين البشر، فلا ميزة لمسلم أمريكي على مسلم أفريقي، وإلا لفسد الحج برمته، والتاريخ يشهد أن المملكة لم تدخر وسعا من أجل راحة الحجيج وخدمتهم، وأنا على يقين من أن الولايات المتحدة لو أشرفت على مثل هذه الشعيرة، ما كان لها أن تقدم ما تقدمه بلادنا لضيوف الرحمن، والحجاج خير شاهد على ما نقول، ففي كل عام تتم مشاريع جديدة للتيسير على الناس، ولا يمكن تجنب السلبيات، لا لتقصير من المملكة، وإنما لاختلاف ثقافات وعادات وتقاليد ومذاهب نحو أربعة ملايين من البشر، جاءوا من كل فج عميق.
لعل الملالي في إيران يدركون أن الحج فريضة دينية، وليست خيارا سياسيا، وإن كان لهم رأي آخر، فليوجهوا قبلتهم إلى «قم»، ويفعلوا بها ما يشاءون، وآمل ألا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».