في الأيام الماضية فوجئ المجتمع السعودي برجل يشهر مسدسه ويطلق رصاصات قاتلة ضد طبيب لأنه قام بتوليد زوجته التي جاءت إلى المستشفى في لحظات حرجة طارئة لوضع حملها. مشهد غريب جداً، ومتناقض، كيف يكون الجزاء لمن ينقذ انسانة وابنها، أن يكافئ بالموت، لأنه -بحسب منظوره- قد اعتدى واطلع على جزء «ممتلكاته الخاصة»!، وكأن تلك الانسانة لا تملك وجودا ولا إرادة، بل السلطة والحق المطلق عليها هو لسيدها الذكر.

هذا التصرف العنيف ليس حدثاً عابراً، ولا ينبع من فراغ، بل هو جزء من منظومة القيم الذكورية العربية المتوارثة جيلاً بعد جيل، التي ساهمت في تكوين الصورة النمطية للرجل (السيد) الذي ينزع لاستخدام العنف كأداة لإثبات ذكوريته سواء بوعي منه وإيمان مباشر بهذه القيم الذكورية، أو بشكل غير مباشر خلال تراكمها وترسبها في عقله اللاوعي المتشكل منذ التنشئة الأولى، ثم انعكاسها على أرض الواقع بشكل مشوه.

لو رجعنا إلى النصوص والقصص والحكايات والشخصيات والأمثال العربية المتداولة، لوجدنا أن قيمة القوة والشجاعة والفحولة، وإظهار الشدة والبأس، تعتبر من الصفات النبيلة التي يجب أن يتصف بها الذكر، ولم يكن هذا حكراً على العرب، بل على مر العصور كانت هذه القيم مترسخة في الوجدان الذكوري في التجمعات البشرية عامة، منذ تشكل المجتمعات البدائية، فالقبلية، وحتى تشكل الدولة السلطانية، فالدولة الحديثة.

كان مفهوم القوة الجسدية والشجاعة وإبراز علامات الفحولة والصلابة من المعاني اللصيقة بالذكر كما يجب وينبغي أن يكون ولذلك نجد ابن منظور في لسان العرب يعرف مادة «ذكر» في اللغة بأنها تعني القوة والشجاعة، فقد اقتضت الفحولة في الإرث العربي عرض المهارات والخبرات المكتسبة وإبراز القوة والعنف، فلا معنى للفحولة ما لم تظهر في العيان، وتبقى في ذاكرة الناس.

فأصبحت التقاليد العربية تقدس مبدأ «صلابة» الذكر لأنه هو الذي يجب عليه الذود عن «الحريم» وهو الدرع الحامي عنهن و «لولاه لانتهكت الحرمات!» ولذلك الأهل لا ينفكون عن الترديد أمام مسمعه عبارة «أنت رجل»، وحين يتصف ببعض صفات الضعف والخور، يردعونه من خلال تعييره وتشبيهه بالنساء، كل هذه رسائل مجتمعية تنبه الغلام منذ طفولته على هويته الجنسانية الموصوفة بالقوة والصلابة، وقد يلجأ بعض الآباء والأمهات من أجل تعزيز هذه القيمة في نفس الغلام إلى دفعه نحو المخاطر وحده، وربما ضربه وإيلامه حتى يشتد عوده، وفي هذا السياق يُروى في طبقات ابن سعد أن صفية بنت عبدالمطلب كانت تضرب الزبير بن عوام ضرباً شديداً وهو يتيم، فقيل لها: (قتلته، خلعت فؤاده، أهلكت الغلام!)، فقالت: (إنما أضربه كي يلب ويجر الجيش ذا الجلب). أي أنها تستخدم ضربه كوسيلة تأهيل له، كي يصبح قائداً معتاداً على مواجهة الصعاب وممارسة القوة والعنف مع خصومه.

وكمثال على ذلك يورد الراغب الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) عن أحدهم وهو ينصح الأولياء موضحاً طرق تهذيب الصبيان قائلاً: (أحضروهم وقت ضرب الأمراء لأصحاب الجرائم لئلا يجزعوا، وحدثوهم بمناقب الفتيان والفرسان، وحال أهل السجون).

ويقدم الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) برنامجاً عملياً لتربية الصبيان، أكد فيه على ضرورة تعويد الطفل على الخشونة والصلابة، حيث يقول: (وينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً، فإنه يورث الكسل، ولا يمنع منه ليلا، ولكن يمنع الفرش الوطيئة الناعمة حتى تتصلب أعضاؤه، ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم، بل ينبغي أن يُعود على الخشونة في المفرش والملبس والمطعم).

ويؤكد البلخي في كتابه (مصالح الأبدان والأنفس) أن صناعة القادة تكون بأن يؤخذوا وهم أطفال إلى معارك الحروب، لكي تقع أبصارهم على القتلى والجرحى وينشؤوا على تلك العادة فلا يروعهم بعد ذلك النظر إلى شيء منها. ولذلك عدّ حضور الفتى اليافع للمقابر وطقوس الدفن، فرصة ثمينة لاختبار جلده وثبات قلبه. ومن هنا نفهم أيضاً لماذا يلجأ بعض الدعاة والتربويين إلى تقديم عروض عن أحوال الموتى والقبور وطرائق الدفن أمام صغار السن في المدارس.

وفي داخل الأسرة، أُعطي الزوج والأب الصلاحية المطلقة للتأديب والتهذيب، فهو مسؤول عن تقويم سلوك زوجه وولده وعبده وأمته، حتى لو اضطر أن يستخدم في سبيل ذلك العصا (الضرب)، فقد أورد ابن كثير في تفسيره قول التابعي سعيد بن المسيب حين دفع ابنته إلى صهره بقوة حتى سقطت، موصياً إياه قائلاً: (إن رابك شيء منها فالعصا). فالتأديب بضرب الزوجة، كان ممارسة شائعة عند العرب، كما كان الضرب أمراً معمولاً به لدى شعوب أخرى، إذ أقرت القوانين الآشورية تأديب الزوج زوجته بحلق شعرها، وقطع أذنها لاعوجاجها الأصلي وتحالفها مع الشيطان.

لذلك من الطبيعي أن تجد الأب يسلم ابنه للمعلم في بداية العام الدراسي قائلاً له: (خذ هذا ابني لك اللحم ولنا العظم)، الأب هنا بكامل المنطق الرجولي المتوارث يمنح المعلم المباركة المطلقة لممارسة العنف الجسدي والنفسي مع ابنه من أجل التأديب والتعليم، لأن الأب والمعلم في ذات المرتبة العلية التي تتحد فيها قيمة القوة والتملك التي تمنحهما الحق في استخدام العنف كأداة للتقويم والتعديل، بل على الصبي ألا يجزع ويتحمل ويصبر، وعد ذلك من مناقبه، كما يقول الغزالي: (ينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب، ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويُذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان).

إن القيم الذكورية العربية قد تكون في أصلها قيما نبيلة وشريفة، وتعتبر من محامد الإنسان ومناقبه أياً كان نوعه، لكن الإشكالية في التراكمات والاستخدامات المشوهة لهذه القيم من أجل تكريس سلطة جنس على آخر، وتشريع العنف تجاهه، دون أن يكون هناك فرز ومراجعة دائمة لتحولات هذه القيم وضبط وسائلها وفق أرضية قانونية عادلة تضمن الحقوق والواجبات.

تفكيك الإرث التاريخي، ومعالجة تشوهات المنظومة القيمية الذكورية، وتكييفها مع متغيرات الدولة الحديثة جهد ليس بالسهل، فما بني خلال مئات السنين بطبيعة الحال لا يمكن معالجته في سنوات قصيرة، لكن الالتفات له بشكل مبكر والاهتمام بالمراجعة الثقافية والنفسية والغربلة التراثية بالتوازي مع الجهود الاجتماعية، والتشريعات القانونية، والأجهزة الرقابية لظاهرة العنف الأسري، وتعزيز المساواة، والشراكة المجتمعية، وقيم المدنية الحديثة سوف تساهم بشكل كبير في الحد من مظاهر العنف الأسري.