حتى هذه اللحظة لا يستطيع عقلي الصغير استيعاب نظرية تبخر بعض المشاريع الحكومية الكبرى وتحويلها من أرقام وأوراق وميزانيات ولجان إلى مجرد حكاية منسية لا يحب أحد أن يتذكرها، مثلا مشاريع المدن الطبية الكبرى التي تم الإعلان عنها قبل خمس سنوات وبدأ العمل ببعضها قبل أن تسقط في فخ التعثر، مدن خصصت لها المليارات وأشعلت آمال المواطنين في الشمال والجنوب والشرق والغرب.. أين هي اليوم؟ تبخرت.. تأجلت.. تجمدت.. تقلصت.. لا أحد يدري.. ولا أحد يسأل أصلا.. لأن الموضوع أصبح في حكم المنتهي رغم أنه لم يبدأ أصلا!
يعلق المواطنون اليوم الكثير من الآمال على وزير الصحة عطفا على أدائه السابق في وزارة التجارة، ولكن ما الذي يمكن أن يفعله الوزير ما دامت المشاريع الصحية الكبرى مجرد حبر على ورق، كيف له أن يحقق تطلعات المواطنين والمدن الطبية بأطبائها ومستشفياتها وممراتها لم تتحقق على أرض الواقع؟، ولماذا لم يعد ثمة من يهتم بأمر هذه المشاريع الغائبة بما في ذلك المرضى أنفسهم؟.. فمن المؤلم حقا أن المواطنين المرضى أصبحوا يرون في تكبد معاناة السفر مئات الكيلومترات بحثا عن العلاج مسألة أخف ضررا على القلب والطحال والبنكرياس من تكبد عناء التفكير في مصير تلك المدن الطبية الكبرى التي ملأت أخبارها الصحف قبل خمس سنوات قبل أن تختفي في غمضة.
ما سر نظرية التبخر السريع التي أخفت المدن الطبية مثلما أخفت ذات يوم مشاريع المدن الاقتصادية ثم أخفت مشاريع الإسكان فيما بعد؟! وكيف لم يتحول هذا البخار الكبير ولو إلى ربع غيمة تمطر بضع قطرات ولو مراعاة لمشاعر العطاشى الباحثين عن المطر؟! لماذا شربنا من السراب الكبير حتى شرقنا بالوهم؟