كم من الوقت نمضيه في مراجعة النفس وتدبر أشياء كثيرة تؤذينا أو تؤذي غيرنا في الحياة اليومية، بين من يتجاوز ومن يظلم غيره وهو ظالم لنفسه، ومن يسيء ولو بكلمة في غير موضعها والحقيقة هو يسيء لنفسه، ومن يهمل شؤون أسرته ويغفل عن أبنائه ومن يهمل عمله وهو بذلك مضيع لقيمته، وقبل ذلك من لا يخلص في العبادات ولا يصدق في المعاملات، ومن يهضم حقوق الغير ومن يستغل المستهلكين بغلاء وجشع وغش، وهؤلاء رخيصو النفس فقراء الضمير، والأخطر من لا يزال في غيه بالفكر الضال الذي هو أساس كل شر وبلاء، يملأ الجهل عقله والحقد قلبه بظلامية مقيتة ودناءة الإرهاب ولهم خسرانهم المبين.
الحياة المادية سلبت الكثير من القيم والأخلاق، واختلط الحابل بالنابل، وازدادت المتشابهات في كثير من تفاصيل الحياة، لكن في تعاليم ديننا القويم كل ما يعصم العقل من الجنوح والشطط، ويحفظ الجوارح من الانحراف والخطأ إذا صدقت النية بالعمل.
شهر رمضان على الأبواب وما أعظم فضائله وأثره على الصائم بل على كل مظاهر الحياة، نفرح بلقائه ونتشبع بعبقه الإيماني، وتستقيم فيه أمور كثيرة للحياة، الصحة والقلوب والجوارح، شهر كله خير وبركة ودعاء وتراحم وصالح الأعمال، وتعلو الفطرة السليمة رجاء في الفوز بالجائزة بجائزة الصوم، وفي الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
شهر الصوم مدرسة إيمانية عظيمة لو أحسنا الالتزام بدروسها ومعانيها لأدركنا الخير نجدد به حياتنا ونداوي ما يعطب منها، ومن ذلك مثالب الإسراف، قال سبحانه وتعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)..نعم لدينا عادات وتقاليد جميلة على موائدنا في شهر رمضان وهذا موروث طيب ومحبب، لكن المشكلة في الإسراف بكثرة وتخزين أطعمة وكأننا في شهر طوارئ، وتستشري عادة التسوق غير العادي، والنتيجة فائض وهدر لا مبرر له وإرهاق مادي يمكن تلافيه بشيء من الحكمة والرشد الاستهلاكي، خاصة وأن شهر رمضان يعقبه عيد الفطر وهو موسم آخر للفرح والاستهلاك، وهكذا نجعل من هذه الفترة مواسم ضغوط على ميزانية الأسرة.
السباق المادي للحياة أتعب الناس كثيرا بالصراع عليها، وكل هذا أخذ الكثير من النفس والأعصاب ومن راحة البال، والمسألة الحاسمة في كل ذلك هي الرضا والقناعة في حدود المتاح، وليس الزائد الذي يجعل الحياة دوامة من التعب للنفس قبل الجسد، فمتعة التسوق أجلها قصير ، وإذا ظلت أبوب الحياة المادية مفتوحة على مصراعيها دون وقفة مع النفس وتعميق القناعات الرشيدة في حياة الفرد والأسرة فإن راحة البال تهرب أكثر وأسرع وتصبح غاية لا تدرك.
في شهر الصوم تستعيد الأسرة بعضا من معانيها الجميلة تفتقدها بقية الشهور، وقد كانت في الماضي أكثر بهاء وجمالا في محبتها وتلاقيها و(اللمّة الحلوة) ومع ذلك نجد في رمضان فرصة لمن يغتنمها لاستعادة بعض من الروح الجميلة في زحام الحياة، فما أعظم نفحات السكينة بروحانيات رمضان، ونتمنى أن يجمعنا دائما على المحبة والمودة، بالعزيمة على إحياء القيم قولا وعملا بالتقوى والتوبة النصوح، وبالتراحم والتواصل الحقيقي لا الافتراضي، فلنستعد لاستقبال الشهر الفضيل بعزم. نسأل الله أن يبلغنا رمضان وأن يهدي نفوسنا تقواها.

mahmoudx@gmail.com