خرج علينا -مؤخرا- متحدث وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ليعلن أن من حق الزوجة أو الزوج إيقاع عقوبات مالية تصل إلى خمسمائة ألف ريال على كل زوج أو زوجة، يتجسس أحدهما على جوال الآخر، أي والله، هكذا أريد الحل، إنه ليس حلا بل كسر وشرخ مؤلم.
فالمشكلة أن قضايا العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، وهي من المهام الرئيسية لهذه الوزارة، لا يمكن حلها ماديا في كثير من الأحوال، وإلا هان الأمر على الكثيرين ممن بسط الله لهم في أرزاقهم، ينبغي قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، وبخاصة تلك المعقدة، كالعلاقات بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء، مراعاة الأبعاد النفسية، واستمرارية علاقات هذه الأطراف مدى الحياة .
رجل / امرأة، تشكك في الآخر، وارتاب فيما يتلقاه على جواله أو جهاز الكمبيوتر الخاص به من مكالمات ورسائل، فسعى جاهدا لإثبات ذلك الشك، وفي سبيل ذلك، لا بأس ألا يتجاوز الحدود الشرعية أو الأخلاقية، فالنفس أمارة بالسوء -إلا مار حم ربي- وكيد النساء -بل والرجال مننا- عظيم.
وهب أن طرفا تجسس على الآخر وأثبت عليه شيء ما، وتم تغريمه، قد يهون الأمر على الرجل لما يسود مجتمعنا من مفاهيم ذكورية متغطرسة، لكن إذا ثبتت (خيانة) الزوجة (الجوالية الإلكترونية)، ودفعت الغرامة المقررة، بالله عليكم، كيف يمكن للطرفين أن يتعايشا معا -بعد ذلك- تحت سقف واحد، وفي بيت واحد، ثم ما هو موقف الأبناء إذا ما ثبتت خيانة أحد الوالدين للآخر، هل يجرؤ أحدهما -فيما بعد- على توجيه أمر أو نصيحة لابن أو ابنه؟ بالطبع، فاقد الشيء لا يعطيه، وتطبيق مثل هذا الأمر من قبل الجهات الرسمية، فيه هدم للعلاقات الأسرية التي أسس لها المولى عز وجل أساسا متينا «وجعل بينكم مودة ورحمة»، فأي مودة ورحمة وكل طرف يتجسس على الآخر!!
الخيانة الزوجية -والعياذ بالله- واقعية أو إلكترونية، واردة، وتحدث في كل المجتمعات بما فيها مجتمعنا، لكن: لم شرع الطلاق؟ ومن قبله، لم شرعت وسائل التهذيب والتأديب؟!
إن أرقى العلاقات الإنسانية على الإطلاق هي العلاقات الزوجية، فالزوجة قد خلقت من نفس الرجل، لا الأبناء ولا البنات مثلا، وجعل الله بين الزوجين حياة هي (سكن) بكل ما في هذا المعنى من راحة وسكينة واطمئنان ودعة، لعمري أن كل هذه المعاني الطيبة التي فرضها الله علينا في العلاقات الزوجية، ستفسد حتما، إذا ما طبقت مثل هذه القرارات، وفرضت هذه الغرامات، وسيجد كل طرف من المشكوك فيهما قد ينفخ في نار الشك والريبة لتزاد اشتعالا، وربما نجد -ونحن في أزهى عصور التلاعب الإلكتروني- تزويرا وافتراء، مما يثبت الاتهام على طرف ما، حتى يخطى الآخر بنصيب من «الغنيمة»، وويل لكل أفاك أثيم.