جاءني اتصاله صباح يوم إجازتي، حاولت إفهامه بأن يؤجل مكالمته لليوم التالي حتى أكون مهيأ لسماعه، لكنه نخاني بلهجته البدوية قائلا «يا المحامي بالله عليك أسمعني ولا تقفلها بوجهي أنت الثاني» عندها شعرت بأنه يتعين علي التنازل عن راحتي من أجل الاستماع إلى معاناته، قال: قبل أسبوعين حضرت للمحكمة قدام القاضي لأن طليقتي رفعت ضدي قضية حضانة للأولاد (بنتين أعمارهما 15 و16 وولد عمره 10 سنوات) يا رجال أخذوا مني بناتي وما بقي معي إلا الولد الصغير رفض يروح مع أمه (هنا أجهش الرجل بالبكاء) مكملا حديثه بصوت متهدج: يا خوي وش الدبرة، هذولا عرضي كيف أخليهم يتربون بعيد، بالله عليك شوف لنا طريقة.
بالكاد استطعت تهدئته، بعد أن أكدت له بأن الحكم ليس نهائيا وحظوظه لا تزال قائمة في كسب القضية، لكنني طلبت منه أن يوضح لي كيف أصدر القاضي حكمه بهذه السرعة مع أن البنات كبار ويعشن معه منذ سنوات، قال: هذي أكيد غلطتي، لأني كنت صادقا مع الشيخ لأبعد الحدود، سألني: هل أنت تشرب مثل ما يقولون؟! قلت له نعم ولكني أقلعت عنه، سألني: البنات يقولون إنك ضربتهم قبل كذا؟! قلت له أفا كيف إلا ضربتهم لجل أربيهم بعد ما تأخروا بالمدرسة، وهكذا استمر القاضي يسأل وأنا أجاوبه بكل عفوية، كنت أعتقد بأن (الصدق منجاة) وما توقعت أبدا أنه يقلب عليه ويصدر حكمه المستعجل بتسليم البنات لأمهم!؟
أعرف بأن الكثيرين منكم سيقفون في هذه الأثناء مع الأم، لهذا أود التوضيح بأن هذا ليس موضوعنا، فالأب المكلوم سيقدم اعتراضه ومحكمة الاستئناف ستفصل فيه، ما أود مناقشته هنا هو سبب قهر هذا الرجل، لقد جاء إلى المحكمة مع أول طلب دون أي مماطلة، جاء وهو يحمل على كفيه ندمه وخوفه على مستقبل بناته، وقف أمام القاضي متجردا مقرا بأفعاله، فهل يكون هذا جزاءه؟! في مثل هذه القضايا يتم سؤال الأولاد عمن يختارون البقاء عنده، وغالبا ما يقع اختيارهم على الأم لأنها أشفق بهم ويرتاحون عندها أكثر، وهو ما يعزز من مخاوف الأب الذي يرى بأن الدلال الزائد سيؤدي إلى إفسادهم، خاصة إذا ما كان يعلم عن طليقته أشياء تنكرها ولا يملك الدليل عليها!!
يقال بأن شعور الرجل بغلبة وتسلط الغير عليه سواء بحق أو بدون حق هو ما يؤدي إلى حصول الكمد والقهر في نفسه، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالأرض أو العرض، وغالبا ما يتعرض لمثل هذه المواقف الرجل المسالم وإن كانت تصدر منه أحيانا بعض الهفوات، لهذا تغلبه الدموع في النهاية فيبكي بحرقة، وفي قضية هذا الرجل المسكين، كان يتعين على المحكمة أن تحتويه وأن تتعامل معه بحكمة وروية، كان عليها إذا ما قررت أن تهدم حقه في الحضانة، أن تمنحه على الأقل مساحة معقوله للزيارة، فهو لا يملك من زينة الدنيا غير هؤلاء الأولاد، أما أنا فأحمد الله لأنني تراجعت عن عنادي واستمعت له حتى النهاية، فقد شكرني بلطف وقال «ريحتني يا المحامي حتى لو ما رجعوا حقي».