في إطار إصلاحات اقتصادية كبرى، جاءت سلسلة التغييرات التي أقرها خادم الحرمين الشريفين في بنية مؤسسات الدولة، بهدف إعادة هيكلة الوزارات، لمواكبة تغيرات الداخل واحتياجات البلاد، وتغيرات الخارج التي تتطلب على الدولة العصرية أن تتخذ من الوسائل ما توائم به من إمكاناتها ومتطلباتها.
تأملت هذه الإجراءات التي مست وزارات حيوية، ترتبط ارتباطا وثيقا باقتصاد البلاد، واحتياجات المواطن، فوجدت فيها منطقية بالغة، فعلى سبيل المثال: نجد وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، إذ لم يعد النفط هو المحرك الرئيس لاقتصاد البلاد، كما أن الطاقة تتعدد مواردها ومصادرها، وهذا كله يرتبط ارتباطا وثيقا بالصناعة، ومن ثم جاء الجمع بينها لمزيد من التآلف في هذه المجالات، ولتجنب تعارض القرارات، وما أكثر القرارات المتعارضة بين الوزارات المختلفة.
ولما كانت المياه مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة، والنمو الزراعي الذي شهدته البلاد، كان من المنطقي أن تدخل هذه العناصر مجتمعة في وزارة واحدة.
فأكثر ما لفت انتباهي هو تشكيل هيئتين جديدتين، إحداهما للترفيه، والأخرى للثقافة، وكذلك وزارة جديدة ضمت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لتصبح وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.
نعم، نحن بحاجة إلى وزارة أو هيئة تعنى بالترفيه، والثقافة، أما الترفيه فهو أمر ضروري للمواطن، وقد أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالترويح عن القلوب التي تصدأ كما يصدأ الحديد، لكن المشكلة في دول أخرى، أن الترفيه يأخذ مسارا ينعكس سلبيا على الوطن والمواطن، واعتقد أن مثل هذا (الترفيه) المنشود، والمراد من وراء تشكيل هذه الهيئة، طالما أحيط بسياج من أخلاقيات ديننا الحنيف، وتقاليد وأعراف مجتمعنا العريق، سيكون ترفيها محفزا ودافعا للمواطنين للقيام بأدوارهم في نهضة المجتمع وتنميته.
أما عن هيئة الثقافة، فكم كنا بحاجة لمثلها، فالعالم قد أصبح قرية صغيرة، ولم تعد محاولات حجب الأفكار السامة ومنعها من الوصول إلى عقول شبابنا مجدية، ومن ثم كنا في احتياج شديد لهيئة تتولى تنسيق الأطر الثقافية، ونشر الثقافة الوسطية المعتدلة السمحة، المستمدة من ديننا الحنيف، والتي يتوق العالم بأسره لمعرفتها، ومثل هذه الهيئة -كذلك- سيسهم في مجابهة الأفكار بالأفكار، وهو ما يؤدي إلى تقليص مسببات التطرف، إذ الفكر يواجه بالفكر، هكذا يخبرنا تراثنا الإسلامي العريق.
هذا كله جميل بحق، لكنه لا يكفي نعم، لا تكفي إعادة هيكلة وزارات ومؤسسات وهيئات، إذ من المهم إعادة هيكلة العقول التي تديرها، وهذا -في اعتقادي- لا يأتي إلا بضخ دماء جديدة إلى الوزارات والهيئات من جانب، والعمل من جانب حكومة خادم الحرمين الشريفين على تذليل العقوبات، ودحر الصعوبات، التي تحول دون تحقيق الهدف المنشود من عملية الهيكلة التي أعلنها خادم الحرمين.
البيروقراطية والروتين والتعقيدات الإدارية، كلها وسائل تجهض أي تغيير إيجابي، ومن ثم ينبغي محاربة كل صور هذه الآفات، التي أصبحت بمثابة أمراض متوطنة في الإدارات الحكومية.
ولكي يشعر المواطن السعودي بتأثير هذه الهيكلة الجديدة، ولكي تؤتى هذه الهيكلة ثمارها المنشودة، فلا بد من إعادة صياغة للعقول المتحجرة، والقلوب الصلفة، والأحاسيس المتبلدة، وهو ما يستلزم وضع أسس لإعادة هيكلة عقول الأجهزة الإدارية، من خلال دورات تدريبية في الداخل والخارج، والاستفادة من خبرات الأمم والشعوب التي طورت نفسها، وتنعم الآن بثمار التطور.
صدقوني، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة العقول، بعد أن أعيدت هيكلة بعض الوزارات والهيئات، والله المستعان.

Dr.rasheed17@gmail.com