في أحد البرامج التلفزيونية، سألت المذيعة الجميلة ضيوفها الفنانين الستة، إلى جانب مطالبتها للجمهور بالتصويت حول أكثر موقف محرج يمكن أن يتعرض له الشخص عند حضوره لتقديم واجب العزاء، نسيان اسم المتوفى، أم الدخول في نوبة ضحك مفاجئة، أم الذهاب لعزاء آخر بالغلط، وقد أجمع الكل على اختيار الإجابة رقم 2، معتبرين أن ذلك يسيء كثيراً للشخص، ويظهره أمام الناس متبلداً عديم المشاعر، وقد أكد الضيوف مرورهم بهذه التجربة الصعبة مما اضطرهم لترك مراسم العزاء فوراً هرباً من الفضيحة ومن النظرات الساخطة عليهم!.
في برنامجه الهايف (بني آدم شو)، أطل علينا المدعو أحمد آدم ساخراً ومستهيناً بآلاف القتلى الأبرياء الذين سقطوا في سورية قبل أيام، قال بأن الأخبار التي تأتينا من هناك هي صنيعة القنوات الفضائية الموالية للمعارضة، قال وهو يضع يده على خصره ويهز وسطه، إياكم تصدقوا أي استغاثة تقول «الحقوا أطفال سورية.. الناس بتموت.. حلب بتدمر.. يا ربي.. يا خراشي»، كان يتمايل ويتراقص ويستخف بدمه بطريقة عجيبة جداً، في حين أن الموضوع الذي يناقشه جاد ولا يقبل التهريج، ويمثل الهم الأكبر لنا نحن العرب على إخوة لنا أبادهم نظام الطاغية!!.
أكثر شيء عانيت منه هو إعادتي لهذا المشهد المقزز أكثر من مرة، حتى أقف على كل كلمة قالها قبل الحكم عليه،كانت مهمتي هذه أشبه ما تكون بتشريح جثة متعفنة تحوم حولها شبهة جنائية، تخيلوا أنه لم يكتف بالاستخفاف بمصيبة الشعب السوري، بل راح يبرئ نظام الأسد الدموي، زاعماً وهو يحث المشاهدين على أن يشغلوا مخهم، بأن مدينة حلب الوحيدة التي لم تخرج فيها مظاهرات منذ اندلاع الثورة فكيف يتم قصف مستشفياتها من قبل بشار، ومرجعاً كل الجرائم البشعة التي ارتكبت ضد البشرية بحلب إلى دموية جبهة النصرة والجيش الحر!!.
هايل يا أحمد آدم، طبقت بالحرف الواحد الذي أملوه عليك، ولو أنهم استعانوا بدمية الأراجوز لما أتقنت الدور مثلك، وربما دبت الروح فيها حياء وتركت المسرح قبل إكمال هذه المشاهد الهابطة، هايل يا أحمد آدم ولكنك ستظل واهماً لو اعتقدت للحظة بأن نقدك ساخر وهادف، حتى الجمهور الحاضر معك بالاستديو الذين كانوا يضحكون ويصفقون مع كل قفشة بايخة تطلقها، لم يكن ذلك من قلبهم وإنما إنفاذاً لأوامر المخرج، فتقنية الصوت بالاستديو كما تعلم تمنعهم من سماعك، هايل يا أحمد آدم ويكفيك فخراً محاولة تبرئة ساحة الدكتاتور بشار وإضفاء الشرعية على جرائمه!.
لو كان أحمد آدم ضيفاً بالبرنامج الذي أشرنا إليه في البداية، لاختلق إجابة رابعة وهي «لا شيء مما ذكر»، لأن من ينكت ويرقص في عزاء شعب قتل وشرد الملايين من أطفاله ونسائه، قادر على أن يفعل أكثر من ذلك في عزاء رجل مسن أو امرأة مريضة، وأخيراً: إن كان هناك شيء يضحك بالفعل، فهو أن اسمه (آدم) مع أن أفعاله يستحي الشيطان من فعلها، واسم المحطة التي تعرضه (الحياة) مع أنها بهذا البرنامج أماتت أحلام الإخوة السوريين، وإذا كان للجمهور من كلمة لأحمد آدم، فهي: (صباحو كدب) وليتنا بقينا عميان تجاهك حتى لا نراك على حقيقتك!.