قبل ثمان سنوات كتبت في هذا العمود مقالا بعنوان (ومازالت الساعة واقفة) وهو من بين المقالات القريبة لنفسي ملخصه: أنني زرت مسؤولا حكوميا قبل 25 ساعة من كتابة المقال وكانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف ثم قدم لي الساعي فنجان قهوة قبل أن أنهي معاملتي، ثم مر ربع قرن سقط خلالها الاتحاد السوفياتي ودمرت القاعدة برجي التجارة وأسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين، واستقلت من العمل الحكومي وتفرغت للصحافة، وانشغل الناس بسوق الأسهم قبل أن يبيعوا ثيابهم فيما بعد، وتزوجت ورزقني الله بعدد من الأولاد وكبر أولادي، ووصل المنتخب السعودي إلى الدور الثاني في كأس العالم ثم انتكس فيما بعد وهزم بالثمانية من ألمانيا، ثم شاءت الأقدار أن أعود إلى مكتب المسؤول ذاته بعد 25 عاما، لأجده في مكانه قبل أن يقدم لي الساعي ذاته فنجان القهوة بعد أن ظهرت علامات الكبر على ملامحه فنظرت إلى الساعة وكانت تشير إلى التاسعة والنصف !.
اليوم مع هذه الحكومة الشابة المليئة بالحيوية والطموح أعتقد أننا تجاوزنا عقدة النظام الإداري شديد المحافظة، بل إننا اليوم لا نكاد نتعرف على معالي الوزير حتى يصبح بعد عدة أشهر إلى (وزير سابق)!، وهذا شيء إيجابي في غالب الأحيان لأن التغيير سنة الحياة وبقاء المسؤولين في مناصبهم لسنوات طويلة يؤدي إلى الترهل البيروقراطي والتكلس الإداري والحلزونية الروتينية، وقد عانينا أشد المعاناة من هذه المسألة لعقود من الزمان، حيث كان سكرتير وكيل الوزارة يبقى في مكانه حتى توافيه المنية فما بالك بالوزير والوكيل ومديري العموم؟ لذلك اعتبر الكثير من المسؤولين أنهم باقون في مناصبهم إلى ما شاء الله وتعامل قسم منهم مع الوزارات الحكومية وكأنها ملكيات خاصة وعانت الإدارة الحكومية أشد المعاناة من النمطية والأداء الرتيب وانعكس كل ذلك على حياة المواطن البسيط.
اليوم وبفضل من الله ثم بفضل روح الشباب الوثابة في هذا العهد الميمون تحركت ساعة الحكومة وأصبحت تسابق الزمن للوصول إلى المكانة التي يستحقها هذا البلد وأهله، ولم تعد المسألة تتعلق ببقاء الوزير في منصبه بل ببقاء الوزارة (بكبرها) على ذات الحال!.. وهذا بالتأكيد يشكل خروجا جريئا على الأطر التي حصرنا أنفسنا فيها لسنوات طويلة. ولا نقول إلا: (في الحركة بركة) وأن التغيير من أهم سمات الحكومات التي تسعى للتطور وإعادة ابتكار نفسها ونسأل الله التوفيق لبلدنا تحت قيادة مليكنا الحازم وحكومته الشابة لما فيه الخير للوطن والأرض والشعب.