قبل ستة أشهر دعيت مع أخي الفنان المبدع ناصر القصبي لزيارة إلى سجن الحائر ثم إلى زيارة مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة، وخلال الجولة التي استمرت يومين متتاليين حدثت الكثير من المواقف الطريفة واللحظات المحزنة، ولولا أنني رجل لا أجيد أعمال الدعاية للسجون لخرجت من تلك الزيارة المثيرة بالعديد من المقالات والقصص العجيبة، لذلك فضلت أن تبقى تلك الأفكار حبيسة البال والضمير حتى تأتي اللحظة المناسبة للتعبير عنها خارج دائرة التأثير اللحظي.
المهم أننا اليوم نواجه سؤالا وطنيا كبيرا بخصوص جدوى برنامج المناصحة بعد تمرد عدد من المعتقلين السابقين وانخراطهم من جديد في العمل الإرهابي مثلما حدث في الأيام القليلة الماضية، وهو في ظني سؤال تتلخص إجابته في صناعة سؤال مضاد: ماذا تفعل وزارة الداخلية إذا انتهت محكومية المواطن المعتقل على ذمة قضية إرهابية وأبدى أسفه وتراجعه عن خطئه؟، هل تسجنه إلى الأبد؟!، هذا الأمر شبه مستحيل عمليا ناهيك عن كونه قرارا خاليا من العدالة.
قد تكون الصورة العامة لبرنامج المناصحة مشوشة قليلا، حيث يظن الناس أن المحكوم يجلس مع أحد المشايخ فيقنعه هذا الأخير بأنه من الخوارج ثم يتم فتح باب السجن للإرهابي السابق مع مساعدة مالية توضع في جيبه قبل أن يعود للإرهاب من جديد، وهذا الأمر غير صحيح على الإطلاق، لأن وزارة الداخلية ليست بهذه السذاجة، فالبرنامج أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، إذ إنه يعتمد على خبراء في علم النفس وعلم الاجتماع مثلما يعتمد على الخبراء في المسائل الشرعية، هذا بخلاف دور أسرة المعتقل التي تشارك بصورة أو بأخرى في هذا البرنامج، ولكن المسألة هنا لا تتعلق بأشخاص عاديين بل بشخصيات معقدة تنتمي إلى أخطر تنظيم في العالم، لذلك من الطبيعي أن يتمرد قسم منهم (بحسب ما سمعنا أنهم لا يتجاوزون نسبة 20%) بمجرد خروجهم وعثورهم على اللحظة المناسبة للإفلات من رقابة المباحث العامة.
ما أردت قوله هنا إنه لا يمكن اعتقال إرهابي ما إلى الأبد، خصوصا إذا ما كان خطأه لا يتعدى أعمال المساندة أو التأييد أو القتال في مناطق الصراع الخارجية، وحتى لو تم استبقاؤه لفترة إضافية تحسبا من خطورته على المجتمع فإنه لا بد وأن يخرج يوما ما، ومن هنا جاءت أهمية برنامج المناصحة، ففي سجن الحائر جلسنا مع مجموعة من المعتقلين (التائبين) الذين يتم تجهيزهم لبرنامج المناصحة، وكانوا يتحدثون مع ناصر عن أعماله الفنية ويتحدثون معي عن مقالات «عكاظ» - لم أتخيل أبدا أن أجد قراء لي هنا - وحين خرجت طلبوا مني أن أكتب عن بعض مشكلاتهم ومطالبهم، فقلت لهم معتذرا إنني أحتاج شهرا على الأقل كي أستطيع الكتابة عن هذه الزيارة، فقال أحدهم: «ترى يوم تقول شهر كأنك تقول نص ساعة.. نحن هنا منذ سنوات!!».. فوقع ألم هذه العبارة في قلبي وعلمت أن الأصوات التي تطالب باعتقالهم إلى الأبد غير عادلة وغير واقعية وأنه لا بد من برنامج المناصحة حتى لو لم تعجبنا بعض نتائجه.