في عام 1956 أصدر الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود -مفتي قطر، ورئيس محاكمها الشرعية- رسالة بعنوان (يُسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام)، أفتى فيها بجواز الرمي قبل الزوال، نظراً لحاجة الناس وشدة الزحام، ورفع المشقة والحرج باليسر.
لم تمر هذه الرسالة مرور الكرام، بل أثارت عاصفة من الردود والسجال والغضب، فقد جاوز المألوف وكسر المتفق عليه في مناسك الحج عند متأخري الحنابلة، جاء الرد الأشهر عليه من أستاذه مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الذي كتب رسالة بعنوان (تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك)، قال في مطلعها: «وأنا في بلد الله الحرام مكة المكرمة، وقع في يدي كتاب من الشيخ عبدالله بن محمود، وبرفقه رسالة ألفها، وسماها (يسر الإسلام) وبين أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام.. وقد ذكر في كتابه إليّ المرفق به هذه الرسالة تأليفه إياها، وأنه أرسلها إليّ لأنظر، هذا بعد أن طبع منها الألوف الكثيرة، وفرقها في نجد والحجاز وكثير من البلاد المجاورة. وهذا من العجيب، كيف ينشرها هذا النشر الشهير، ويكتب إليّ لأخذ رأيي فيها، وكل من اطلع على رسالته من العلماء والطلاب لا يشك ولا يرتاب، أنه وقع بتأليفها في هوة مردية، واكتسب بكتابتها سمعة مزرية، وفاه بجهالة جهلا، وضلالة في هذا الباب عميا، وكنت قد عزمت بعد التوكل على الله أن أكتب ما يبين غلط فمه، وزلقات قلمه، ثم بعد التروي ما شاء الله عدلت إلى أن أذكر زلاته لولي أمر المسلمين، رجاء أن يقوم بما أعطيه من السلطان مقام الرادع لهذا الإنسان، عما زينته له نفسه من الإقدام على هذا الشأن».
كلمات ابن إبراهيم القاسية في حق المحمود، أشعلت الخلاف، فتعاظم شأنه حتى وصل إلى الملوك والحكام، إذ قام الملك سعود بن عبدالعزيز بمراسلة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني حاكم قطر؛ طالبا موافقته على إيفاد ابن محمود لمناظرة العلماء في الرياض بخصوص الفتوى، بل إن الملك كتب لابن محمود بالمضمون ذاته، -وفقا لما ورد في ترجمة الشيخ ضمن مجموعة رسائله-.
وعندما ذهب ابن محمود إلى الحج في العام نفسه، اجتمع الملك سعود مع الشيخ علي حاكم قطر في منى، كان موضوع الفتوى من ضمن الأمور التي تباحـث فيها العاهلان، طلب الملك سعود من الشيخ ابن محمود أن يتراجع عن فتواه، لكنه اعتذر وتمسك برأيه.
بعد مدة قصيرة جاء ابن محمود إلى الرياض للقاء المشايخ، والسماع لرأيهم ومناقشتهم حول الفتوى، عرفت تلك الواقعة باسم (مناظرة الرياض)، ومن أبرز الحضور ابن إبراهيم، وابن باز، ومحمد الشثري. كان طلب المشايخ واضحاً ومحدداً، يجب على ابن محمود التراجع عن فتواه التي أجاز فيها الرمي قبل الزوال، وأن يتوب عن زلته، ويصدر كتاباً توضيحياً بهذا الشأن. كان الشيخ المحمود قد احضر معه كتيباً وزعه على الحضور بعنوان (رسالة موجهة إلى علماء الرياض)، قال فيها: «إنني أرى في نفسي أني أصبت مفاصل الإنصاف والعدل في هذه المسألة -أي جواز الرمي قبل الزوال- ولم أنزع فيها إلى ما ينفيه الشرع أو يأباه العقل.. داعياً الناس إلى ما دعاهم كتاب ربهم وسنة نبيهم من السماحة واليسر خاصة في الرمي والقول بسعة وقته، رفعا للحرج والضرر على نفوس الضعفة وكبار السن، فشرائع الإسلام تفر من مضائق الشدة والعنت إلى فضاء السهولة واليسر».
لكن هذه الرسالة لم تغير شيئاً من صلابة موقف علماء الرياض، وهذا ما يتضح لنا من خلال رواية الشيخ ابن إبراهيم الخاصة لهذه المناظرة وأجوائها، يقول: «قدم هذا الرجل إلى بلد الرياض وتحققت أنه بإيعاز من الملك أيده الله بالحق إليه للاتصال بنا وبعلماء الرياض للبحث معه فيما يتعلق بهذا الصدد، وجلس معنا ومع جماعة العلماء مجلسين أو أكثر، بينا له فيها شفاهاً غلطاته، ووضحنا له أنه أبعد النجعة في اختياراته، وبعد تكرار البيان ومزيد الإيضاح ظهر أنه غلط في رسالته عدة غلطات، ما بين غلطة كبرى فاحشة، وما بين أخرى دونها، وما هو دون ذلك، فأظهر الندم على ما كتب، وصرح بالتوبة، فقبلنا توبته، وعرفنا له رجوعه إلى الحق وأوبته، ودعونا له بالتوفيق، وقررنا معه أن المقام يفتقر إلى أكبر من ذلك، حيث يتعين عليه تأليف رسالة تتضمن رجوعه مدعمة بالأدلة، ومركزة على أصول تلحقها بفروع الملة، فأجابنا إلى ذلك، ووعد بأنه إذا وصل إلى وطنه قطر، ونال الراحة بالأوبة من السفر كتب تلك الرسالة، وضمنها جميع ما يحتاج إلى البيان من غلطاته وأسبابها، والتصريح بالرجوع عنها عن بسط بما يكفي ويشفي».
هذه كانت رواية ابن إبراهيم للمناظرة، لكن رواية أخرى تناقضها ذكرها زهير الشاويش -رئيس المكتب الإسلامي في بيروت- أكد فيها أن ابن محمود حين حضر المناظرة «ردَّ بما فتح الله عليه، وكان موفقاً في ردوده، كان الشيخ يستشهد في رأيه بالآيات والأحاديث وآراء بعض العلمـاء، وكان ردُّ علماء الرياض يعتمد على أقوال متأخري الحنابلة. ولما طال الجدل في المجلس، قام عدد من المشايخ، وأحاطوا بالشيخ ابن محمود مطالبينه بالرجوع، وتلبية طلب شيخه ابن إبراهيم في كتابة رسالةٍ يتراجع فيها، والشيخ يعتذر منهم ويقول: (رُدُّوا عليَّ). وبعد إلحاحٍ منهم وإحراجٍ سكت الشيخ، فقام أحدهم ويدعى الشيخ الصالحي ورفع صوته وقال: الحمد لله، لقد رجع الشيخ ابن محمود عن قوله إلى كلام العلماء، وسوف يكتب رسالةً برجوعه. هنا قام الشيخ محمد بن إبراهيم، وخرج منهياً الجلسة، وخرج وراءه أكثر الحضور، ولكن الشـيخ ابن محمود قام، وقال أمام الحاضرين ومنهم الشيخ أبو حبيب، وابن باز، وبعض الحضور وأنا أسمع منه قوله: (أنا لم أقل، ولم أرجع). وقد شهد بذلك إبراهيم بن ضعيان بشهادة مماثلة، أكد فيها أن الشيخ لم ينطق بالرجوع، وإنما عندما أحرجه المشايخ، واحتراماً لشيخه محمد بن إبراهيم سكت عن المجادلة، وقال: سأنظر في أمري، ولم يزد على ذلك».
خرج الشيخ ابن إبراهيم من المجلس موقنا أن تلميذه قد تراجع عن موقفه، منتظرا منه الرسالة التي يبين فيها ندمه وغلطته ويصحح رأيه، لكن تمر الأيام والشهور ولا تصدر التوبة، وينقطع خبر الرسالة، خاب أمل الشيخ ابن إبراهيم، فكتب غاضبا: «بعد أن سافر ابن محمود إلى وطنه، ومضى ما يزيد على شهر بقينا منتظرين إرساله ما وعد به من تأليفه في الرجوع، ولم نزل عدة أشهر في الانتظار، حتى أسفر ليل تلك المواعيد عن خيبة الأمل، وأن الرجل لم يصدق في الموعود ولا عدل، وأنه بقي في ظلماء جهله، وفتنته بما به استدل مما هو أشبه شيء بالسراب بقيعة، ولما لم ينجح فيه الدليل والبيان، ولم يقبل مشورة أولئك الإخوان، وكانت المواعيد منه عرقوبية، ومساعيه حول هذا الصدد وخيمة وبية، كانت فتنة الجهال وأرباب الكسل برسالته عظيمة، ومفضية إلى أن تبقى البراهين الشرعية ليس لها بين الأمة قيمة» (أنظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم).
حمل أحد طلاب المحمود رد ابن إبراهيم عليه، طالباً منه الرد عليها، لكن المحمود أجابه: «لو أن الذي ردَّ عليَّ غيره كنت عرفت أرد عليه، لكن محمد بن إبراهيم أبي وأستاذي».
رحل الشيخ ابن إبراهيم، وابن محمود، وبقيت رسائلهم وكتبهم ومؤلفاتهم.. رحلوا وبقي الناس يحجون إلى بيت الله الحرام بأعداد تتزايد عاماً بعد عام، حتى رأينا اليوم بعض علماء الرياض من عادوا إلى فتوى من سبقهم بـخمسين سنة، فقالوا: «الرمي قبل الزوال جائز، ولا يوجد نص صريح في النهي عنه»!.

* باحث سعودي