على مدى 45 عاما الماضية شهدت المملكة تسع خطط خمسية للتنمية وبدأت العاشرة هذا العام، وجميعها تركت بصمات تنموية حضارية كبيرة ، لكن هل تم تنفيذ أهدافها كاملة بأرقامها وحجمها؟ الإجابة تكمن تحديدا في مدى الفجوة بين الأهداف ونتائج تنفيذها في كافة المجالات.
دليل هذه الإشكالية يكمن في حجم تراكم البطالة وأزمة الإسكان ومشاريع التعليم، ومشاريع البنية الأساسية خاصة ما يتعلق بالطرق من جسور وأنفاق داخل المدن الكبرى والمياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار والسيول في معظم المدن، والتي تم ترحيلها لعقود زمنية حتى تفاقمت وتم التعامل معها في السنوات الأخيرة، كذلك الفجوة بين أرقام الميزانيات العامة ونسبة الاستفادة منها وما تعثر من مشاريعها، لضعف في المتابعة والشفافية وفي محاسبة الإهمال أو فساد إداري وتنفيذي، طبقا لتقارير ديوان المراقبة العامة.
عقلية الروتين والأداء النمطي وترحيل المشكلات يحسم من رصيد النتائج النهائية لكل ميزانية وخطة، لأن التقارير الهرمية لبعض الوزارات الخدمية تتجمل وربما تكذب وهذه إشكالية أخرى مزمنة يشعر بها المواطن، عندما يكون التنفيذ خارج السرب.
الرؤية الجديدة حظيت باهتمام إعلامي ومجتمعي واسع وتفاؤل من المواطن الذي أقلقته هزات أسعار البترول وتداعياته، حيث تستهدف الرؤية نقل بلادنا إلى شرايين أكثر أمانا للدخل الوطني، وأكثر قدرة على مواكبة متغيرات الاقتصاد العالمي المتقلب، والتأسيس لمقدرات أجيال قادمة لتكون استجابتها أكثر قدرة على التفاعل مع حتمية التطوير الأسرع للتعليم والصحة والبنية الأساسية في ظل زيادة سكانية عالية، وهذه كلها تحديات كبيرة لا يصلح معها ما فات من معوقات.
فهذه الرؤية الشاملة هي ثمرة دراسات جادة وعميقة لعمل اليوم وأهداف الغد، لكنها ليست عصا سحرية لعلاج كل شيء بكبسة زر، لكنها تمثل استراتيجية جديدة لابديل عن تنفيذها، ولا التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية والمحلية تسمح برفاهية الوقت ولا بتردي التنفيذ من القطاع العام والخاص، إنما الإرادة المتجددة والبيئة الصحيحة اللازمة لتحقيق التحول الوطني المنشود في التنمية والاقتصاد، بأساليب علمية واندماج الأهداف بين التخطيط والتنفيذ والرقابة، ومعهما الإعلام لإبراز الإيجابيات دون تضخيم ورصد السلبيات دون تهويل، ومناقشة المعوقات بموضوعية والتحفيز على قيم العمل وروح الإنجاز والابتكار، وفي هذا ضمانة لاستمرار الحراك الإيجابي بفكر التطوير والالتزام بالشفافية ومحاربة الفساد، وإذا ما استغرق الإعلام في الفكرة وأغفل معوقات التنفيذ فإنه سيكون شريكا في التعثر، والمحصلة كمن يمشي خطوتين للأمام ويتراجع خطوة.
جانب آخر هو المناطق التي حتما تتباين في احتياجاتها كنقاط قوة ونقاط ضعف، فليس من المعقول أن تتركز المشاريع والاستثمارات في بعضها، بينما أخرى تنتظر استثمارات متخصصة كجيزان الواعدة في مجالات الزراعة والثروة السمكية، وهكذا في كل منطقة حسب مميزاتها وحاجتها لمشاريع واستثمارات تلبي حاجتها التنموية وتطور مجتمعها.
أيضا التخطيط للاستثمارات المتخصصة يمكن أن يحقق الاكتفاء الذاتي أو على الأقل التخفيف من حجم وتكلفة الواردات الغذائية وغيرها، إذا ما وضعنا هدفا لكل ذلك، وهنا تكن تحديات تكامل وتكاتف حلقات التخطيط والتنفيذ بروح الرؤية الجديدة بين مختلف الوزارات، فيكفي أن جهة واحدة سلبية يمكن أن تعطل مشاريع وخدمات كثيرة بالروتين وغياب السقف الزمني دون محاسبة. أخيرا لدينا نموذجان ناجحان في التخطيط والإدارة والإنجاز وهما: الهيئة الملكية في الجبيل وينبع وشركة أرامكو السعودية، ولطالما قدمتا نماذج رائعة للإرادة والتخطيط والنجاح في أشياء حضارية كثيرة، وستكون لهما إسهامات ملموسة في التحول الوطني للتنمية.

iikutbi@gmail.com