أظهرت النتائج الخطيرة التي توصل إليها مؤتمر الاتحاد العربي لأمراض الدم، والذي عقد مؤخراً بالقاهرة، إذ أعلنت الجمعية السعودية لأمراض الدم، بمشاركة الجمعية المصرية لأمراض الدم وأبحاثه تزايد معدل حدوث بعض الأمراض الوراثية في الأطفال، كما كشف خبراء أمراض الدم من الأطباء المتخصصين ارتفاع معدلات الإصابة بجلطات الأوعية الدموية، وشيوع سرطان الغدد الليمفاوية.
ذكرني هذا بزواج الأقارب الظاهرة التي كانت منتشرة ومازالت وبشكل قد يكون أخف من أزمنة مضت في المجتمعات العربية الشقيقة، بل وغير العربية، ولعل القاسم المشترك بين هذه المجتمعات، هو انضواؤها تحت ما يسمى بـ «دول العالم الثالث»، وهو المصطلح المهذب الذي يطلق على «الدول المتخلفة» عن ركب الحضارة الحديثة، بغض النظر عن تاريخها الناصع، أو معتقداتها الصحيحة.
حيث وصل الأمر -وأعني زواج الأقارب- إلى درجة كبيرة من «الخطورة الاجتماعية» في بعض المجتمعات، حيث يتم تحديد زوج الطفلة منذ ولادتها، فيقول ولي أمرها: هي لفلان ابن عمها. نعم، هذا ما يحدث بالفعل في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، واسألوا الأشقاء العاملين في بلادنا عما يحدث في بلدانهم، ولا يخلو مجتمعنا -بالطبع- من هذه الظاهرة التي لا أصل لها في الشرع، بل ربما لا يوجد ما يحبذها ويحبب المسلمين فيها.
الدوافع إلى ذلك عديدة، وتختلف من مكان لآخر، فقد يكون الهدف هو عدم تفتيت «الثروة» وانتقالها إلى خارج نطاق العائلة، إلى الأغراب، وقد يكون بدافع «العصبية»، بل قد يكون عند البعض لدوافع سياسية، من أجل تحقيق «تكافل عائلي»، يصمد في وجه التحالفات الانتخابية، والأمر المهم، هو أن هذه الظاهرة تفتقر إلى أية دعائم شرعية أو حتى إنسانية. فماذا لو كانت هذه الطفلة -أو الطفل الزوج الموعود- معاقاً، أو لا يجد قبولاً لدى الطرف الآخر؟ الأعراف والتقاليد البالية تقضي بأن تحترم كلمة الكبار، وتنفذ عهودهم ووعودهم، مع أنهم لا يملكون مصائر البشر، وقد يصل الأمر إلى نشوب خلافات ومعارك بين العائلات نتيجة إخلال أحد الطرفين بوعده، بل هناك حالات تدفع الفتاة إلى «الهروب» أو تدفع الفتى إلى «العصيان»، وهو ما يؤدي إلى حرمانه من حقوقه، ناهيك عن القطيعة بين ذوي الأرحام. هذا ما يحدث في كثير من المجتمعات بالفعل، بل نقرأ عنه في كتابات أعلام الأدب العربي الحديث. قد يقول قائل: وما العيب في ذلك؟! ثم أليس للأب أو الأخ -ونحوهما- الولاية الشرعية على إناثهم، ولهم الحق في اختيار أزواجهم؟!
بداية تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم -وكان من خيار قريش- لم يتزوج من قريبة له، إلا من أم المؤمنين زينب بنت جحش، ابنة عمته، وكان هذا الزواج بأمر إلهي، لتشريع رباني، ولا يتشابه مع «وعود الكبار بزواج الأطفال» السائد في مجتمعاتنا العربية.
فالخروج بدائرة النسب والمصاهرة إلى دوائر أوسع من دائرة الأقارب، فيه توطيد للعلاقات الإنسانية، واتساع للأسر، وتحقيق هدف من الحكمة الإلهية في خلق الكون على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، ألا وهو هدف «التعارف» (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، والزواج وسيلة فاعلة في تجسيد هذا التعارف وتحقيقه على أرض الواقع. فلا نكن نحن -معشر أولياء الأمور- ذوي آفاق محدودة، وبصائر قصيرة، وأنانيين، ونسعى لتحقيق «مآرب» من وراء زواج الأقارب، ولنخش الله في فلذات أكبادنا.