حوادث الإهمال تؤلم كثيرا وتترك حسرة وندما على ضحايا وإصابات نتجت عن خطر كان يمكن تلافيه لو توفر الوعي بالسلامة، لكن ماذا يفيد الندم بعد فوات الأوان، وكأننا لا تكفينا دروس مآسٍ ولا نتذكرها إلا مع حوادث جديدة لا سمح الله، وما أكثر منزلقات التهلكة لغياب الوعي وتفشي الإهمال خاصة في المنازل وكثير من المنشآت.
لو أخذنا حادثة حريق كما سبق وحصل في مدارس أو مستشفيات أو مستودعات وأسواق شعبية أو سقوط في فتحات بالشوارع العامة، وجدنا الدنيا تقوم وتتوزع الاتهامات في الإعلام ووسائل التواصل، ثم تقعد الدنيا وربما تغط في نوم عميق وكأن شيئا لم يكن بشأن السلامة وإمكاناتها الضرورية المتوفرة والمتطورة من أجهزة الإنذار ووسائل الإطفاء الحديثة والتقليدية، لكن حتى لو توفرت هذه الوسائل نجد غيابا لتجارب فرضية في كثير من المباني العامة، وبالتالي تحدث ارتباكات وفوضى وتدافع لا يقل خطورة عن خطر حريق.
أعتقد لو أجري استقصاء ميداني من خلال الدفاع المدني كحملات تفتيش في القطاع الصحي والتعليمي وغيرهما ستصدمنا بيانات الإهمال، فإجراءات السلامة ليست بالمستوى المطلوب باستثناء وسائل تقليدية، وعادة ما تكون خارج دائرة الاهتمام والصيانة وكأنها ديكور، لتكون الصدمة عند أي طارئ في تعطل بعضها وعدم معرفة العاملين في المبنى بكيفية تشغيلها، وفي حالة الخطر لا سمح الله، تكون للثواني قيمة كبيرة، أما المنازل فحدث ولا حرج عن غياب وسائل السلامة وإهمال الكشف عن مصادر الخطر والأجهزة التي انتهى عمرها الافتراضي.
السلامة بمفهومها الواسع لا تعني فقط صيانة الأجهزة، إنما أيضا الوعي بهذه الثقافة والأخذ بأسبابها صغيرها وكبيرها، وبثقافة الوقاية، حيث الدرهم منها خير من قنطار علاج، لكنها في الحياة أمثال وحكم لا تتجاوز الحناجر، فتسريب مياه يعني إهدارا للنعمة وإتلافا للتوصيلات وللأسقف.. وإهمال التوصيلات الكهربائية والأفياش وعدم الكشف عن وصلات الغاز خاصة المشبوكة بموقد الطهي (البوتاجاز) وتعرضها للحرارة لسنوات تصبح قنابل موقوتة.
المجتمعات المتقدمة في ثقافتها الحياتية تضع السلامة وثقافتها وإمكاناتها وخططها في دائرة الاهتمام، بل في الدول التي تتعرض لكوارث طبيعية عادة ما تجري تجارب فرضية لإخلاء مدن كاملة في وقت قياسي، فكيف بنا نهمل السلامة في المنازل والمنشآت، ودور المدرسة ليس فقط حصص المناهج، ولا المنازل مجرد معيشة للأكل والنوم، إنها مؤسسات تنشئة وبناء للعقل والسلوك وأسلوب الحياة السليمة.
نحتاج إلى تخطيط أفضل للحياة بثقافة السلامة، وتنظيم شوارعنا التي تحتاج إلى أن نجعلها سبيلا للمرور السهل وسرعة الإنقاذ، وليس عرقلته أما سيارات الطوارئ التي يمثل الوقت التحدي الأكبر في سرعة الوصول للحادث، ودون ذلك لن يكون لأرتال سيارات الإنقاذ والإسعاف جدوى إذا ما فات الأوان.
السلامة وثقافتها وممارستها ضرورة لكل فرد وأسرة وإدارة كل منشأة، وعلى الإعلام أن يقدم الكثير في رسالة الوعي التي لا تقدر بثمن، وهي أغلى وأبعد مدى للمصلحة العامة وبث الوعي لا يقل قيمة عن المردود المادي لإعلانات ترويجية وبرامج تغذي الاستهلاك الذي نورثه للأجيال. فالتوعية تجاه أي خطر هي حق للمجتمع على الإعلام وغيره، وكذلك شوارعنا التي نتمنى لو طالعت بعض لوحاتها عقول الناس بحملات توعية مستمرة نحو مجتمع صاحٍ وحياة أكثر سلامة. حفظ الله الجميع.

iikutbi@gmail.com