في مقطع فيديو بثه أعضاء من تنظيم داعش، ظهر شاب سعودي مكنى بـ(أبي ثامر المهاجر) مشيدا بحادثة الشملي في حائل، حين قام مراهق داعشي بقتل ابن عمه -أحد منسوبي القوات المسلحة- الذي اشتهرت كلمته المؤثرة «تكفى يا سعد». هتف المهاجر في المقطع فرحا يلقي قصيدة لتحية الفاعلين: «تكفى يا سعد طلبتك وش سويت.. سببت في صدور الطواغيت حكة». استمر المهاجر في قصيدته الرديئة، لكن الملفت حين ذكر في أحد أبياتها الدافع الأساسي وراء قتل الجنود والعساكر في السعودية، يقول: «وأكفر جنود الحكومة السرابيت.. لو صلى وصام وحج بمكة».

من خلال مظهر (المهاجر) -اسمه سعد الشاطري المطيري- يبدو أنه حديث عهد بتدين، ولا علاقة له بالقراءة والثقافة، يتضح ذلك جليا من خلال شخصيته، ومستوى لغته وهيئته التي تشبه أصحاب السوابق الجنائية، ليس ذلك بمستغرب فالرجل الذي كان بجانبه هو جميل الخمعلي العنزي -مروج مخدرات سابق، وداعشي حالي-، وهنا يأتي السؤال كيف استطاع هذا الداعشي الجاهل أن يصل إلى قناعة مفادها أن العبادات الأساسية في الإسلام كالصلاة والصيام والحج لا تغني هذا الجندي من شيء، ولا تنفعه، بل هو كافر ما دام «جندا للطاغوت».

من المستبعد أن يكون هذا الشاب قد اطلع بنفسه على المصدر المباشر الذي كون لديه هذه الفكرة الخطيرة، لكن المؤكد أن هناك منظرين ساهموا على مدى أجيال في تأسيس أفكار تغلغلت في العقل الحركي والجهادي وأصبحت متداولة بينهم، وربما نسي أبناء الجيل الجديد قائلها الأول.

تنبع هذه الفكرة من نظرية شهيرة في الإسلام السياسي، وهي (توحيد الحاكمية) خلاصتها أن الطقوس والشعائر الدينية كالصلاة والصيام والزكاة والحج -التي هي أركان الإسلام- لا تنفع المسلم ما دام يعيش في منظومة سياسية فاسدة لا تدين بمجموع أنظمتها ومظاهرها للإسلام، لذلك يجب على المسلم تغيير هذا الواقع (الكافر) والبراءة منه، والانفصال عنه، أما الصمت أو الرضا بالواقع فإن هذا يقدح في صميم إسلام المرء، ولن تنفعه عبادته ولا صومه ولا صلاته.

هل قرأ هذا الشاب الداعشي كتاب سيد قطب (في ظلال القرآن) واستقى منه هذه الفكرة مباشرة، أشك في ذلك كثيرا، لكنه انتمى إلى منظومة تشبعت بهذه الأفكار، فاستقاها وأصبح يرددها دون أن يعي خلفياتها وجذورها.

في تفسير سورة الماعون، تتطابق الفكرتان بشكل كبير، يقول قطب: «قد يصف الإنسان نفسه بأنه مسلم ومصدق بهذا الدين وقضاياه. وقد يصلي، ويؤدي شعائر أخرى لكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه ويظل بعيدا عنها، لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها. وما لم توجد هذه العلامات على الواقع فلا إيمان ولا تصديق مهما قال اللسان، ومهما تعبد الإنسان!».

دأب سيد قطب في مجمل أعماله المتأخرة على تأكيد فكرة مفادها أن الشعائر التعبدية ليست بذات أولوية في الإسلام، وليست غاية بحد ذاتها. فهي كما يؤكد «لا تستغرق مدلول العبادة، بل إنها تجيء بالتبعية لا بالإصالة!» لأنها مجرد وسيلة لتحقيق غاية كلية كبرى وهي إخضاع البشرية لمنهج الحكم الإسلامي. لذلك حرص سيد في مواضع كثيرة على التهوين من شأن العبادات والطقوس الدينية، والتقليل من قيمتها، بل وإلغاء أثرها، وبطلانها إذا لم تؤد إلى تحقيق الغاية الشمولية في الأرض وهي (الإعمار والخلافة).

في تفسير الآية التي تنص على غاية خلق البشر «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، يفسر قطب معنى العبادة هنا بطريقته الخاصة التي تقوم على مبدأه في التفسير السياسي للإسلام، يقول: «إن مدلول العبادة أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر والله لا يكلِّفهم هذا، وهو يكلفهم ألوانا أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم.. إننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان، نعرفها من القرآن من قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة} فالغاية التعبدية الكبرى هي الخلافة في الأرض، هي عمل هذا الكائن الإنساني. ومن ثم يتجلَّى أن معنى العبادة -التي هي غاية الوجود الإنساني- أوسع وأشمل من مجرد الشعائر.. فمن مقتضيات استقرار معنى العبادة أن يقوم بالخلافة في الأرض، وينهض بتكاليفها، ويحقق أقصى ثمراتها».

بعبارة أخرى يقرر قطب أن استغراق المسلم وقته في إقامة الشعائر التعبدية والالتزام بها لوحدها، دون سعي لتحقيق «العمارة في الأرض والخلافة» هو مضيعة للوقت، وانحراف عن المعنى الحقيقي للعبادة. فهو ينفي بشدة أن يكون الإسلام مجرد عبادات، بل «لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب من الرسل والرسالات، وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الأنبياء».

ما الذي يعنيه هذا الكلام؟ يعني تجريد المسلمين الذين يقومون بأركان الإسلام الخمسة على أتم وجه -من صلاة وزكاة وصيام وحج- من وصف الإسلام، ما داموا يعيشون في (المجتمعات والنظم الجاهلية)، لأن المجتمع الإسلامي في رأي قطب ليس هو الذي «يضم أناسا يسمون أنفسهم (مسلمين) بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون البلد، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام.. فليس هذا هو المجتمع الإسلامي الذي يبتدع لنفسه إسلاما من عنده» (معالم في الطريق)، -نتذكر هنا مقولة الداعشي وهو يكفر الجندي حتى إن صلى وصام وحج!-.

لم تعد مشكلة قطب مع السياسيين الظلمة، والحكام الطواغيت، بل أصبحت مشكلته الآن مع المسلمين المتعبدين الذين لم ينضموا إلى مشروعه ويطالبوا بمطالبه، لذلك أصدر بحقهم حكمه القاسي: «إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله، والفقه الإسلامي».

لكن ماذا عن المصلين في المساجد والمآذن التي تصدح بذكر الله في تلك المجتمعات؟! يجيب سيد: «لقد ارتدت البشرية.. حتى وإن ظل فريق منهم يردد على المآذن شهادة التوحيد دون أن يدرك مدلولها.. إن البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات (لا إله إلا الله) بلا مدلول ولا واقع، هؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله" (الظلال/تفسير سورة الأنعام).

قال قطب هذه الكلمات منتصف الستينيات الميلادية، ثم رحل عن عالمنا. استدار الزمان دورته، بعد مرور أكثر من خمسين سنة على كلماته المدوية، نفاجأ اليوم بسلوك جهادي جديد، رفقاء أبو ثامر المهاجر من الدواعش يتسللون إلى المساجد خفية، يفجرون في المصلين والساجدين. تصرف محير جدا، كيف لرجل يصف نفسه «مجاهدا في سبيل الله»، أن يقتل المصلين والعابدين، ويهدم بيوت الله، ثم يعتبر ذلك عملا خالصا يتقرب به إلى ربه!.

لكن ألم يصف قطب هذه المساجد والمآذن يوما بأنها «أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة».

إذن.. هل يمكننا القول بأن سيد قطب قد مهد الطريق، وبرر منذ وقت مبكر لتفجير واستهداف المساجد؟

اترك لكم الإجابة.



* كاتب وباحث سعودي