شهدت بلادنا الغالية، والشقيقة مصر، في هذه الأيام تقاربا حول جزيرتي تيران وصنافير السعوديتين، اللتين عادتا إلى السيادة السعودية بعد أكثر من نصف قرن من الزمان من الرعاية المصرية ولكن بعض الذين يصطادون في الماء العكر، ويسعون إلى تخريب العلاقات الحميمة بين البلدين الشقيقين، وجدها فرصة لتصفية حسابات سياسية، ولم يدرك هؤلاء وأولئك أنهم لا يعملون لصالح أي بلد، بقدر ما يعملون ضدهما «في هذا الخضم والزخم المتزايد من الآراء» والفتاوى الصادرة عن غير أهلها، إذ تطوع الكثيرون بالقيام بدور الخبراء العسكريين والجغرافيين، والمحللين السياسيين، مع العلم أن معظم هؤلاء لا يفقهون أبجديات العلاقات الدولية، ولا يلمون بوقائع التاريخ وأحداثه، أقول في هذا البحر الهائج، المتلاطمة أمواجه تذكرت قول أحد الفلاسفة: «نحن لا نرث الأرض عن أسلافنا، بل نستعيرها من أبنائنا».
والقول السابق بشقيه يفيد بأننا لا نملك حرية التصرف في متر واحد من الأرض التي نعيش عليها، والسبب بسيط للغاية، فهي ليست ملكا لنا، ورثناها من أسلافنا، ومن ثم يحق لنا أن نفرط فيها للغير، بل هي «عارية»، تخص الأجيال القادمة إلى قيام الساعة، ولا يحق لعاقل أن يتصرف في «العارية»، إذ هي أمانة، لا بد من أن تسلم لأصحابها، وأصحابها هم: أبناؤنا وأحفادنا، إلى أن يرث الله تعالى هذه الأرض ومن عليها.
هذه الحقيقة لا تخصنا وحدنا، بل هي أيضا تخص الأشقاء في مصر، والرئيس السيسي يدرك -وهو رجل ينتمي إلى المؤسسة العسكرية التي قدمت كل غال ونفيس، من الأرواح والدماء من أجل المحافظة على التراب المصري العزيز- يدرك هذه الحقيقة ويعيها جيدا، فهو لا يملك -مهما كان حب شعبه له- أن يتنازل عن شبر واحد من الأرض المصرية، لا للسعودية ولا لغيرها، فالأرض مستعارة من الأبناء والأحفاد، ولا بد أن يحافظ عليها، حتى تسلم لهم، حين يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وكم كان الحس القومي قويا عند حكام بلادنا والشقيقة مصر، حين لم تتوافر القدرات البحرية التي تمكنها من الحفاظ على الجزيرتين أمام الأطماع الغربية والإسرائيلية، فعهد قادتنا آنذاك إلى الشقيقة مصر بهذه المهمة، وهذا الدور الذي لعبته مصر، وما زالت تلعبه، ألا وهو المساهمة بقوة في الأمن القومي العربي، لقد أدرك قادة المملكة ومصر منذ نحو نصف قرن أو يزيد العمق الاستراتيجي للبلدين، ولم يفكر السعوديون يوما في أن تزعم ملكيتها لهاتين الجزيرتين، كما لم يفكر المصريون يوما، في احتلال أرض دولة عربية شقيقة، وهي التي دفعت من دماء رجالها ونسائها وأطفالها، ثمنا باهظا لتحرير ما احتله الأعداء والغاصبون من أراضيها العزيزة.
هذا الحس العروبي السعودي – المصري، هو الذي تجلى في الزيارة الناجحة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين لأرض الكنانة، أما ما صاحب قضية الجزيرتين من اتفاقات اقتصادية، ومشاريع استثمارية، وإسهامات مالية، فهو أمر ليس بجديد في إطار العلاقات بين البلدين، ولا أرى في تلك الضجة المفتعلة من قبل البعض سوى حالة من الحقد والغيرة، ولا تخلو من سموم تنفثها أقلام مأجورة، وشخصيات موتورة، ودول لها مصالح مغرضة، لا ترجو الخير للبلدين، ويسوؤها أن ترى المملكة ومصر تنعمان بالرخاء والاستقرار.
فيا هؤلاء، تذكروا قول هذا الفيلسوف جيدا: «نحن لا نرث الأرض عن أسلافنا بل نستعيرها من أبنائنا»، تدبروا كلماته، وهداكم الله.