كنت قبل أيام بإحدى المحاكم خارج مدينة جدة، من أجل تقديم دعوى لموكلتي، كنت قد جهزت الملف بالكامل، بداية باللائحة الإلكترونية وانتهاء بعناوين المدعى عليها، كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا حين وقفت أمام الشباك رقم 6 بقسم صحائف الدعوى، عندها استلم مني الموظف الملف وطلب مني أن أستريح حتى ينجز المعاملة، وبينما كنت أستعد لذلك وأعيد بقية الأوراق لشنطتي، لفت انتباهي ثلاثة أشياء على غير العادة، أولها: أن الوقت كان مبكرا ومع هذا جميع الموظفين على مكاتبهم. وثانيها: ظل تعامل الموظف راقيا رغم زحمة المراجعين. وثالثها وهو الأهم: ذلك الرجل الغريب الذي كان يجلس خلف الموظفين ويتفحص وجوه المراجعين بعناية!! يمكن مراسل الوارد بالمحكمة جاء يسلم المعاملات، أو يمكن موظف نقلوه جديد وما بعد جهزوا له مكتب، أو يمكن يكون قريب أحد الموظفين زاره فجأة، كانت هذه باختصار الاحتمالات التي قفزت إلى مخيلتي حينها، وعندما عجزت عن فك هذا اللغز المحير، قلت خليني أجلس أرتاح شويه، وما مداني أسند ظهري حتى ناداني الموظف ليخبرني بأن موقع الوزارة يرفض تسجيل المعاملة إلا بوجود رقم السجل، فأخبرته بأن موكلتي ليست منشأة تجارية وإنما مؤسسة صادرة بمرسوم، فأكد لي بأنه لا يمكنه عمل شيء، حينها عاد ذلك الرجل الغريب ليلفت انتباهي بعدما شعرت بأنه لا يرفع نظره عني، وكأنه رادار ثلاثي الأبعاد التقطت موجاته الكهرومغناطيسية الهدف فبدأ بإطلاق الإنذار والتعقب!؟
خير وش مشكلة الأخ، هكذا قالها ذلك الرجل الغريب للموظف المختص، الذي وقف من مكانه وأخذ يشرح له المشكلة، عندها تناول منه الأوراق وأخذها معه إلى مكتب بالداخل قبل أن يعود إلي ويسألني بعض الأسئلة وهو يطمئنني بأنه لابد وأن يكون هناك حل، وفي ظرف نصف ساعة نجح بالفعل وقام بتسليمي (تذكرة مراجعة) عليها رقم المعاملة والمكتب القضائي الذي أحيلت إليه الدعوى، ليس هذا فقط بل إنه عالج إشكالية رقم السجل نهائيا. لقد أعجبت كثيرا بإخلاص ذلك الرجل في عمله، ومع أنني فهمت متأخرا صفته ولماذا ترك مكتبه الفاخر وفضل الجلوس في مواجهة الجمهور لتلمس احتياجاتهم، إلا أنه وليطمئن قلبي سألت الموظف عنه، فقال: هذا مدير الإدارة الله يعطيه العافية.
لم يحن الوقت بعد لمراجعة المكتب القضائي، لكنني بحكم خبرتي ومباشرتي للقضايا بمختلف محاكم المملكة أعرف بأن هناك ثلاثة أشياء معتادة ستشكل العقبة الكبرى في طريق إنجاز القضية، أولها: أن الساعة تقترب من العاشرة ومع ذلك أغلب المكاتب فاضية. وثانيها: أن الموظف هناك يشعرك بتعامله الجاف وكأنك رحت له بيته. وثالثها وهو الأهم: أنك لن تجد أحدا يلفت انتباهك بجلوسه خلف الموظفين أو بتفحصه لمعاناة الحاضرين، ومتى فكرت في مقابلة فضيلته لشرح خفايا دعواك أو إعطاء فكرة للتركيبة المعقدة لخصمك أو عرض ما تملكه من قرائن ضعيفة لا ترتقي لدرجة الدليل وإنما ليستأنس بها، قالوا لك من عند الباب: وين.. وين رايح الله يصلحك.. ممنوع الدخول إلا إذا عندك جلسة!؟