في المقال السابق تناولت بعض خفايا صناعة الدواء العالمية التي غيرت بشكل جذري مفهومنا عن الصحة والمرض وبالتالي دواعي وصف الدواء وهذا ما حقق لها قفزة نوعية وكمية في حجم المبيعات عبر استراتيجيات تسويقية مكثفة تستخدم فيها الأطباء والمشرعين الحكوميين والهيئات العلمية والأكاديمية لإعادة تعريف كثير من الاضطرابات الصحية التي يعاني منها الكثير من الناس و لا تستلزم التعامل معها دوائيا كأمراض، إعادة تعريفها على أنها أمراض جديدة لتسويق أدوية لها، وتوقفنا عند الآثار الخطيرة لهذا الواقع الطبي المختل حسبما أورده راي موينهان من مجلة (نيو انجليند) الطبية العريقة في كتابه (بيع المرض، كيف تحولنا جميعا شركات الأدوية الكبرى إلى مرضى)، وأبرز تلك الآثار السلبية : يتمثل في الأضرار الجانبية للأدوية والتي تعتبر السبب الرابع من أسباب الوفاة في أمريكا، (2.2 مليون) أمريكي من الذين أدخلوا المستشفى عام 1994 عانوا من مضاعفات الأدوية غير المناسبة وتوفي 106 آلاف بتلك المضاعفات، وهذا الرقم هو معدل سنوي، ولهذا يدرّس الأطباء أن معيار وصف دواء ما للمريض هو الأخذ بأخف الضررين فأحيانا تكون محاذير بعض الأدوية أخطر من العارض الصحي نفسه، ونذكر قبل فترة كيف تم سحب عدد من أدوية الزكام الشائعة من أسواق المملكة لأنه تبين أنها تسبب نزيفا في الدماغ، لكن الأساليب غير المهنية التي تسوق بها شركات الأدوية لمنتجاتها خلقت ثقافة إفراط في وصف الأدوية بدون حاجة حقيقية لها وبالرغم من كثرة محاذيرها، وهناك أمثلة مدهشة أوردتها الدكتورة (ماريكا انجيل) من كلية هارفرد للطب ومحررة مجلة (نيو انجليند) الطبية في كتابها (الحقيقة عن شركات الدواء، كيف يخدعوننا وماذا نفعل بهذا الصدد)، ففي دراسة سميت (ALLHAT) واستمرت 8 سنوات على 42000 مريض ومولتها الحكومة الأمريكية وتمت فيها مقارنة الأدوية الشائعة التي توصف لارتفاع الضغط بمدرات البول البسيطة التي كانت توصف سابقا لخفض الضغط، كانت النتيجة المذهلة أن مدرات البول كانت أكثر فاعلية وبالطبع أكثر أمانا وأقل تكلفة من أدوية الضغط الغالية الشائعة، و الأدهى أن الدراسة أوقفت بسبب كثرة المضاعفات الخطيرة التي عانى منها المرضى نتيجة لتلك الأدوية كفشل القلب والجلطات، ومثل آخر هو الزعم بضرورة أخذ النساء في سن اليأس لبدائل هورمونية للوقاية من أمراض القلب، لكن دراسة كبرى لمؤسسة الصحة الوطنية بأمريكا توصلت لأن تلك المعالجات الهورمونية تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب عدا عن أنها تزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي، أما السبب في عدم شيوع نتائج هذه الدراسات المحايدة فكما أورد موينهان في كتابه، فثمانية من الخبراء التسعة الذين كتبوا عام 2004 التوصيات الفدرالية للعلاجات الدوائية التي يجب اعتمادها للكوليسترول كان لهم علاقة بشركات الأدوية، وربما سيتفاجأ الكثيرون عندما يعرفون أن أقوى وأكبر جماعة ضغط «لوبي» في واشنطن هو ليس لإسرائيل، إنما هو لوبي «اتحاد شركات الأدوية»، ففي عام 2000 فقط وظف 675 شخصية كبرى للعمل لصالحه، منهم 26 عضو كونجرس سابق بتكلفة 91 مليون، وتتبرع شركات الأدوية بالملايين للمرشحين السياسيين وللجامعات لتعيد قولبة التعليم الطبي ليصب في صالحها. والمزيد من الأضرار والأسرار لصناعة الدواء يتبع في المقال القادم.
bushra_sbe@hotmail.com
ص. ب (6123) مكة