من لا ينحاز إلى وطنه ويبكي على فقده، ويرثي ثراه، وهو قد ارتوى من مائه وسار في وديانه. قلت تلك العبارات وأنا أتحدث مع أحد الإخوة السوريين اللاجئين في تركيا أثناء زيارتي هناك، فوجدته شاحب الوجه، باديا عليه علامات الهوان، صاغرا في داخله، كارها للحياة، غير هانئ بها، ومع حديثه نزلت دمعة تمنيت أن رددتها بيدي، وصلت شفتاه، منظرا ليتني ما رأيته، وكلاما أخافني تمنيت أنني لم أسمعه. فيقول: فقدت الوطن الحاضن الراعي لي ولأبنائي، وفقدت معه اثنين من أبنائي وإخوة لي، ولكن والله إنها كلها تهون مع فقد الوطن، وإخراجي منه صاغرا خائفا، وممن؟ من رجل لا يخاف الله، حيث شردنا عن وطننا، ويزعم أنه رئيسنا، فليته كان غازيا حتى نستطيع رده، ولكنه خرج من بين أيدينا، حيث لا نملك قوة ولا حولا، حكمنا بالنار والحديد، وخدعنا بكلمات كانت كاذبة، رأينا بعدها الويل والذل والهوان، واستفزع علينا الخارجين والمسترزقين، وأطمع بنا الحاقدين فهو الحاقد الخائن للوطن.
وأنا استمع له ترقرقت في عيني الدموع جزعا عليه، وبنفس الوقت فرحا بوطني وحكامه الذين يحبون أرضه ومواطنيه، ولا يدخرون بإسعادهم، فعرفت أن الدين والإيمان له دور في حب الأوطان، وفي حب الإنسان.
وطن أحبه جميع المنصفين، لعدله وإحسانه ونصرته للمظلوم، أحبه المسلمون لوجود قبلتهم ومنطلق رسالة نبيهم، إنه مصدر الفخر حتى كثر الحاقدون والمنافقون الذين تغلغل الحسد في قلوبهم عليه، وما ظنوا أن هذا الوطن فوقه شعب أحبوه حتى النخاع، ويملكون من الشجاعة ما يعلمه إلا الله، يحبون العرب والمسلمين، ويفادون أرواحهم وأموالهم نصرة لهم من الظالمين، فلم يتركوا شعبا من الشعوب العربية والإسلامية إلا وناصروها في محنتها.
فما أجملك أيها الوطن، وما أجمل حكامك الحلماء الحكماء، وما أجملك من شعب وفي صادق مقدام.
فالشجرة المثمرة دائما ترمى بالحجر، لذا وجب علينا جميعا، حكاما وشعبا أن نلتف حول بعضنا، وأن لا نترك للناعقين مجالا للنخر في وحدتنا وتماسكنا، فكم أوطانا ذهبت بسبب المرجفين الشياطين المدعين قولا بالحب الطعانين بالفعل، تماسكنا دليل إيماننا وحبنا لوطننا وإخلاصنا له.