استخدام الإنترنت وبرامجه وتطبيقاته في ازدياد وتطور، خاصة شبكات التواصل الاجتماعي التي تتنافس علينا وعلى غيرنا من بني البشر في الدنيا الواسعة، وأرقام مستخدميها بالمليارات، وفي المملكة وحسب الإحصائيات الرسمية أكثر من 20 مليون مستخدم للإنترنت ونسبة الزيادة مرتفعة سنويا، أما الجوالات فتفوق عددنا بكثير وهذه من المفارقات التي تحتاج إلى وقفة. هذه الأرقام بالتأكيد تعني الكثير عن مدى الاستفادة الحقيقية على عقل الإنسان وحياته وتفكيره، وهنا أتحدث عن ضياع الوقت وليس خدمات الإنترنت الهائلة في الأعمال والمعرفة الجادة في جوانب شتى من الحياة فطبقا لدراسات خرجت قبل أعوام قليلة قدرت متوسط وقت الفرد مع الإنترنت بأكثر من 4 ساعات يوميا، وهي إحصاءات متواضعة باتت في خبر كان، لأن أكثرية الناس يقضون من نهارهم ودوامهم الكثير وشطرا كبيرا من الليل مع العالم الافتراضي إلى حد الإدمان، خاصة على شبكات التواصل التي نحتل فيها ترتيبا متقدما. لا يجب أن نمل من الحديث عن النتائج السلبية لسوء إدمان الإنترنت ومخاطر شبكات التواصل في أوقات العمل وضعف التواصل الأسري والاجتماعي الحقيقي، والأخطر أن تختطف هذه الدوامة شريحة المراهقين والشباب إلى دهاليز مجهولة خفية تهدم في العقول وقيم المجتمع، وما يحدث من فتن الفوضى على الشبكة العنكبوتية واختلاط الحابل بالنابل في كل شيء وفي كل اتجاه ومن كافة الشرائح والأعمار. اللغة السائدة اليوم لدى الكثيرين تشهد على غياب الوعي دينيا وأخلاقيا، فانتشرت لغة الاتهام والتشكيك والتشويه، والاختلاف المرير على كل موضوع أو فكرة أو رأي، وأصبحت الغالبية في حالة تربص ولغة تعصب مفرداتها السب والشتم ومن يغني مع ليلاه في الغرف الإلكترونية، وغلبة الغرائز على العفة، أما الحوار فأصبحت فيه الكلمة الطيبة غريبة على لسان وعقول الكثيرين، واللهاث وراء شائعات وفضائح بات هواية وغواية، فشبكات التواصل تحولت عند البعض إلى منصات لكل هذا الخلل النفسي والعقلي وللعنف اللفظي والسخرية، فماذا حصل لإنسان اليوم ونحن بالكاد في العقد الأول من عصر الإنترنت، والله يعلم أين سيصل تيه الأجيال القادمة في ظل هذا التغيير المتسارع لتطبيقات تهدم فينا بأيدينا ويجني مستثمروها مليارات الدولارات سنويا.
الخطر كل الخطر في هذه الفوضى الإلكترونية وكثير من الفضائيات التي تغذي روح الانقسام من الجذور في المجتمعات، ويحتاج الرأي العام إلى من يأخذ بيده ويرشده بمخاطر الفتن ودهاليز الشبكة العنكبوتية وتطبيقات التواصل التي تتصيد البعض وتغذي العنف اللفظي والانحراف الأخلاقي وروح الكراهية ضد المجتمع والأوطان ومحاولات مستمرة لتصيد عقول وغسلها بالفكر الضال وأفكار الشر.
يصعب الاستهانة بمثالب وخطورة سوء التواصل وحالة الإدمان للهواتف الذكية والتعرض لطوفان الرسائل والأفكار المسمومة مما يدعو إلى حالة من الوعي الضروري على كافة المستويات للتنبيه من خبائث هذا العالم التي تسري سريان النار في الهشيم إن لم نتصد له بالوعي. عرفنا أخلاق التعامل ونشأنا عليها وآداب الحوار ولغة الخطاب، ويمكن أن نحفظ جوهر ذلك بالتزام القيم والرشد وعدم ترك الحبل على الغارب حتى لا نهدم أسس التعايش والتواصل الحقيقي، فلنحسن التواصل مع هذا العالم الافتراضي والخروج منه بحصيلة نافعة إذا أمسكنا بمقود الوعي والتحصين للأجيال، ودون ذلك يصبح الداخل فيه مفقودا والخارج منه مولودا لكن بعد إنهاك نفسي وربما مأساوي لمن غفلنا عنهم من الأبناء.