ينادي الكثير من المثقفين وغيرهم، والذين يتحدثون عن المشاكل الاجتماعية وحلولها، وكذلك ما يعترض المؤسسات الحكومية من عقبات، سواء عقبات مالية أو إدارية، ولعل أهم العقبات في المؤسسات الحكومية، هو وجود بعض أصناف من الموظفين أو الإداريين الذين قد ينتزع منهم حياة الضمير، وحب العمل وخدمة البشر، وحب خدمة الوطن، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
لذا تحاول المؤسسات الحكومية أن تعمل جاهدة مع المعاهد الإدارية والتدريبية، لتدريب موظفيها على اللباقة، وحب العمل، والتفاني، وليس الانتظار وعد الأيام حتى نهاية الشهر لقبض الراتب، أما غيره (فليخلف الله)، كثر هؤلاء الذين يعملون بإدخال البيروقراطية قسرا على أجهزة المؤسسات الحكومية، ما أصاب المراجعين بنوع من الاكتئاب والإحباط لملاقاتهم مثل هؤلاء الدخلاء على المبدعين في أعمالهم وعشقهم لخدمة الوطن والمواطنين.
كنت حاضرا أحد الاجتماعات ويرأس الاجتماع أحد المسؤولين من نواب الوزراء، وكان هذا الاجتماع فيه من الأريحية ما لم أشعر به من قبل، لماذا؟ لأن رئيس الاجتماع -هذا المسؤول- حاول أو يحاول حل المشاكل بحنكة وحسن إدارة مع ابتسامة لا تفارقه، والأجمل من ذلك رأيته بعيني يذهب بنفسه قاطعا الاجتماع لكي يريح أحد المجتمعين لإحضار إثباتاته بنفسه من الجهة التابعة له، وما هي إلا دقائق وقد أتى بالمطلوب، لم تأخذه الشكليات والرسميات ومكانته، بالرغم من وجود السكرتارية والموظفين الذين يقومون بالمطلوب، ولكن المغزى غير ذلك، هو بعث رسالة للطرف الآخر بأن ما اجتمع من شأنه محل اهتمامه، وإبراء ذمة جهازه، وإشعار المجتمعين بأن الدولة حريصة على أخذ حقوقهم.
استشهدت بهذا المسؤول الشهم البطل بأخلاقه وحياة ضميره، متذكرا قول أنس بن مالك: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد، ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك جهنم وهو عابد).
هذا نموذج وأمثلة عديدة كأحد العسكريين الذي لا تحضرني رتبته، لأنني لم أركز إلا على الفعل الجميل وهو همي وسعدي في تلك اللحظة عندما أوقف سيارته الأمنية خلف أحد المتعطلين بسيارته، وهو بحاجة إلى مساعدة في وقت لا حول ولا قوة له، فشمر عن ساعديه وأخذ بفك الكفر واستبداله بكل سعة صدر ورحابة لكي لا يتعطل السير ولا يتعطل هذا المسكين عن وجهته، ولم يكتف بذلك بل وذهب إلى سيارته وأحضر زجاجة ماء وأخذ يسكب على يدي الرجل وهو يبتسم، وعندما طلب منه أن يبادله نفس العمل رفض وعاد إلى سيارته مسرعا.
قد تسألونني من هو هذا المسؤول، لم أسم هذا المسؤول باسمه وأنا أعرفه جيدا، والذي حضرت اجتماعه وذكرت هنا قصته، ليس من أجل تمجيده أو للتطبيل له، بل من أجل أخذ الدروس والعبر من هؤلاء الرجال المخلصين لوطنهم وأبناء الوطن، ولكي يتذكر النقيض منهم الذين أخذتهم الأنفة وحب الشكليات وأهملوا أماناتاتهم وساءت أخلاقهم وتعدوا على مراجعيهم وأوقفوا حقوقهم، ما جعل الجمهور من المراجعين يصيبهم الهم والنكد من هذا التصرف، وأحجموا عن الذهاب إلى المراجعة لوجودهم قابعين خلف الطاولات والشر بأعينهم، فيا ليت كل المسؤولين والموظفين يعلمون بأن من يقدمون لهم الخدمة هم آباؤهم وإخوانهم وأبناء جلدتهم الذين يسيرون على وطن غال. وأن كل ابتسامة في الوجه صدقة، وأن قضاء حوائج الناس هي وصية سيد الخلق عليه السلام.