تعبر قصة المنظر والزعيم الجهادي الفلسطيني محمد سالم رحال عن أبلغ صورة للحالة الجهادية منذ بدئها بأحلام وطموحات عالمية، حتى تشققها وتشرذمها، ثم إيغالها في الوحشية والدموية التي تصل في نهاية المطاف إلى أن يتوجه سلاحها ورصاصها إلى أقرب الناس إليها، في حالة هستيرية مسخت فيها أبسط المشاعر الإنسانية الفطرية تجاه الأب والأم والأخ والأخت وابن العم والخال والقريب.



في مطلع السبعينات الميلادية وصل إلى القاهرة محمد سالم رحال، قادما من قرية «صويلح» بالأردن، محملا بذكريات الاحتلال الإسرائيلي لقريته الأولى «عرتوف» الفلسطينية، معبئا بأفكار «حزب التحرير الإسلامي» الذي أسسه تقي الدين النبهاني بالقدس سنة 1953.



في مصر وضع رحال بصماته الواضحة التي لا تمحى في تاريخ الحركة الجهادية، هناك التقى بابن بلدته صالح سرية الذي كان يخطط للقيام بأول عمل جهادي مسلح يستهدف اغتيال السادات، ومن ثم الزحف والاستيلاء على الحكم وإقامة الخلافة الإسلامية. في واقعة الهجوم المعروفة على مبنى الكلية الفنية العسكرية عام 1974، قبض حينها على سرية ومن معه وحكم عليه بالإعدام، وبعشرات السنوات سجنا على رفاقه، وبرأت المحكمة محمد رحال لعدم ثبوت التهمة عليه.



صالح سرية كانت تربطه صلة وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، كان يتردد كثيرا على زينب الغزالي التي لعبت دورا أساسيا في تقديمه إلى المرشد العام حسن الهضيبي وتعريفه بمجموعة من الكوادر الإخوانية الشابة منهم طلال الأنصاري وإسماعيل الطنطاوي ويحيى هاشم.



ورغم نفي الإخوان أي صلة لهم بالواقعة، إلا أن طلال الأنصاري – أحد أعضاء تنظيم سرية- اعترف في مذكراته أن «تنظيم الفنية العسكرية كان في الأساس ضمن تحرك كبير من الإخوان المسلمين لمحاولة تقويض نظام السادات ولكن بطريقة مختلفة، فلو نجح الشباب المنظم الذي تلقاه صالح سرية من الإخوان عن طريق زينب الغزالي وصنع انقلابا ناجحا تبناه الإخوان وسيطروا بذلك على الحكم، ولو فشلت المحاولة أنكرها الإخوان وقالوا إنها محاولة فاشلة من شباب متحمس غير مسؤول يتحملون هم نتيجة فعلهم وحدهم».



على كل حال كانت عملية الفنية العسكرية علامة فارقة في تاريخ الجماعات المسلحة، فهي تشكل المرجع الأول لكل التنظيمات المسلحة، والمحاولة الحقيقية الأولى لتحويل الأفكار والمبادئ الجهادية إلى تطبيق فعلي على أرض الواقع للسيطرة على الحكم. ومن بعدها تكاثرت التنظيمات الجهادية، فتوالت أعمال العنف والتفجير، تطورت وتوسعت وتمددت.



بعد فشل عملية الفنية العسكرية، اتجه رحال للدراسة في الأزهر، حصل على البكالوريوس والماجستير، وبدأ يحضر للدكتوراه، وخلال كل ذلك، أصبح معروفا بين أوساط الحركيين الإسلاميين، وبدأ ينظر لأفكار الجهاد وسبل مواجهة «الأنظمة الكافرة».



يشير منتصر الزيات في كتابه «الجماعات الإسلامية.. رؤية من الداخل» إلى لقائه الأول برحال عام 1980، يقول «التقيت به، كان أصلع قصيرا، خمري اللون، تبدو عليه ملامح الذكاء. حدثني عن ضرورة قيام دولة إسلامية، ونصحني بقراءة (فقه الجهاد في سبل الإسلام) للإمام الشوكاني. وقال لي إن طريق الدعوة الإسلامية يمر بمراحل عدة، الأولى، مرحلة الدعوة باللسان، والثانية مرحلة زجر المتلقين بشيء من التخويف والثالثة تكون باليد أي بالعنف، وهذا ما كنا نمارسه بالفعل، كنا في الجامعة نفصل الطلبة عن الطالبات، ونقوم بمنع حفلات المسرح والتمثيل والموسيقى».



كان رحال يردد أن مصر هي أكبر دولة عربية وأن الحركة الإسلامية فيها ينبغي أن تقوم بدورها من هذا المنطلق، وأن صالح سرية جاء إلى مصر وهو يدرك أنه إذا تحرك الشعب المصري ستتحرك الشعوب العربية كلها لاقتلاع «الأنظمة الطاغوتية الحاكمة».



أبلغ رحال الزيات بأنه يوجد في تنظيمه ضباط في الجيش المصري مستعدين لإسقاط النظام بالقوة، وأن تنظيمه يضم مجموعات عنقودية لا يعرف بعضها بعضا على الرغم من اتصالهم فكريا.



يوضح الزيات الحالة الفكرية السائدة تلك الفترة بين جماعات الجهاد المصرية: «كنا نجهز لتوحيد المجموعات الجهادية من أجل إسقاط الأنظمة العربية وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وهذه أفكار نابعة من حزب التحرير الذي كان ينتمي إليه محمد سالم رحال في الأصل. كان رحال يرغب في أن نبدأ بمصر ثم يتم تصدير الثورة إلى بقية الدول العربية، وفقا لنموذج الثورة الإسلامية التي اندلعت في إيران عام 1979 بتحريض من الخميني».



كانت أفكار رحال تتطابق بشكل كبير مع رؤية محمد عبدالسلام فرج، صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» -المؤسس الثاني لتنظيم الجهاد المصري، وقائد عملية اغتيال السادات في أكتوبر 1981 - إلا أنهما اختلفا في الأسلوب، ففرج كان يريدها أن تكون ثورة عسكرية شعبية، أما رحال فكان يريدها انقلابا عسكريا من داخل الجيش، فاستقل فرج بقيادة جماعة الجهاد الثانية، بعد أن قامت السلطات بتفكيك الجماعة الأولى للجهاد، واعتقال مؤسسها محمد إبراهيم سلامة، في حين تولى رحال قيادة جماعة الجهاد الثالثة. واستلهم أيمن الظواهري أفكار رحال في الانقلاب العسكري وآمن بها، فعمل على تجنيد عدد من الضباط، وزرع عناصر داخل القوات المسلحة.



كثف رحال نشاطه لتأسيس العمل الجهادي داخل مصر، حاول تجنيد الطلبة الفلسطينيين بصفة أساسية ومنهم فتحي الشقاقي (مؤسس حركة الجهاد الإسلامي) في فلسطين، وعبدالعزيز عودة، وكذلك من بين الطلبة المصريين وبعض العسكريين أبرزهم العقيد عصام القمري، ووفيق كامل راتب، ونبيل المغربي، وأحمد رجب سلامة ومحمد طارق إبراهيم وأنور عبدالعظيم‏، وأحمد الحناوي، وعادل عبدالمطلب، ونبيل نعيم، وأحمد راشد،‏ وآخرون، كان هدفهم الأساسي التخطيط لاغتيال السادات، والانقلاب على نظام الحكم، إلا أن السلطات المصرية تنبهت لنشاط تنظيم رحال، فاعتقلت العشرات منهم، وفي ظروف غامضة قررت ترحيل محمد الرحال إلى موطنه الأردن في يناير 1981، قبل اغتيال السادات بعدة أشهر، وهو المشروع الذي أتمه من بعده رفيق دربه الجهادي محمد عبدالسلام فرج.



يروي الكاتب المصري رياض حسن محرم جزءا من قصة عودة رحال إلى دياره بعد رحلته التي وضعت الجذور الأولى لحركات العنف المسلح، يقول: «عاد إلى مسقط رأسه في (صويلح) لتستقبله أسرته ومواطنو قريته استقبالا طيبا، تزوج من إحدى قريباته، وعاش حياة شبه عادية كما يبدو، لكن السلطات الأردنية اكتشفت معاودته لنشاطه وتأسيسه لتنظيم جهادي مسلح عرف باسم (تنظيم الجهاد الإسلامي)، فألقت القبض عليه عام 1984 وأودع السجن».



بعد نحو عام أفرجت السلطات الأردنية عن رحال، خرج من السجن بحالة هستيرية غريبة، أصبح رحال مصابا بمرض الشك والوسواس القهري، تعصف به الاضطرابات النفسية، وتداهمه الشكوك التي تراكمت عليه بفعل تجربته الطويلة بين الجماعات المسلحة ذات الانشقاق والانشطار المستمر القائم على نهج العمل السري الخفي، وعقلية التشكيك بإسلام كل الناس والارتياب منهم.



وفي يوم ما دخل في شجار غريب مع زوجته التي أحسنت إليه ورعته رغم كل مشاكله، فطلقها، ثم في لحظة مفاجئة استل سكينا وقام بطعن والده عدة طعنات حتى الموت، خر الوالد المسكين أمام ابنه «الجهادي» صريعا مضرجا بدمائه.



هكذا أسدل الستار على مشهد مأساوي لنهاية مريرة للمنظر الجهادي الأول للجماعات المسلحة، داهمت السلطات الأردنية منزل الجاني، اقتادته هذه المرة لمستشفى الأمراض العقلية بعد أن تم تشخصيه بحالة شك مرضي، ووسواس قهري شديد، مصابا بالشيزوفينيا.



في محطته الأخيرة لا يعلم هذا الرجل الذي فقد وعيه وإدراكه أن اسمه مازال يتردد كأحد المسؤولين عن بث فكر الجهادية العالمية، وأهم المؤسسين لتنظيم الجهاد المصري الذي أصبح فيما بعد النواة الأولى لتنظيم القاعدة، التي أنجبت مولودها الأخير «داعش».



الأفكار التي نادى بها رحال منذ أربعين سنة، ما زالت هي ذاتها أفكار العديد من الحركات الإسلامية، وعلى رأسها تنظيم داعش: «إقامة الدولة الإسلامية، وإحياء الخلافة، ومواجهة طواغيت الأنظمة الكافرة»، الفكرة ذاتها لم تتغير، لكن الأساليب تطورت وتضخمت وتفاقمت حتى وصلت إلى حد غير مسبوق من الوحشية والهمجية، عبر اختراع أبشع طريقة للعمل المسلح من خلال قتل واستهداف الأقرباء، في صورة شنيعة لم تحدث قط على مر تاريخ جماعات التطرف الإسلامي.



التطور الأخير الذي وصلت إليه داعش يمثل أكبر حركة شذوذ فكري على مر التاريخ الإسلامي لم يسبق له سلف ولا مثيل، لم يقتصر الأمر على الانحراف الفكري والعقائدي، بل تجاوزه إلى انحراف وتشوه عقلي ونفسي انعدمت فيه المشاعر الإنسانية الأصيلة تجاه أقرب الناس.



إن أشد العتاة المجرمين والمتطرفين على مر التاريخ لم يتجردوا من مشاعرهم تجاه أقربائهم، حتى إن اضطروا لقتالهم، فهم يذرفون الدموع حزنا على رحيلهم، لم يحدث أن اختفت أحاسيس الحب والرحمة تجاه الأقرباء إلا من المشوهين والمرضى نفسيا الذين فقدوا معنى هذه المشاعر بفعل الهستيريا والجنون و«المرض»، فأصبحوا خارج دائرة الوعي والإدراك الإنساني، وأصبحت أفعالهم خارج سيطرة العقل والمنطق، لذلك يجب أن يخضعوا للعلاج أو الحجر.



لم تعد «داعش» مجرد حركة إسلامية متطرفة فحسب، بل حالة مرعبة من السادية، وشيروفينيا عالمية تلهث بكل جنون لإشباع نزواتها المشوهة وأطماعها المريضة في التدمير والقتل والفتك. إن جنون الشك الديني الهستيري الدموي، هو النهاية الطبيعية لكل جماعات التطرف الإسلامي.



* كاتب وباحث سعودي