تطبيقات التواصل تفيد وتسلي، لكن أصواتا كثيرة تعلو اليوم ضجرا من غثاء فوضى هذه الشبكات، وأسئلة حائرة مقلقة: إلى أين يأخذنا هذا العالم الافتراضي، والغالبية من مستخدميه يسرفون في إدمانه شبابا وشيبا وصغارا بعد أن وصلنا بأيدينا إلى هذا الحد من سوء استخدام التقنيات الحديثة، وهو حالنا مع أشياء كثيرة في الحياة.
هؤلاء المستهترون يعيشون ليل نهار في عالم بلا جدران أو سقف أو أبواب، ولا يضيف للحياة قيمة طالما هذا العبث الذي نال من الترابط الأسري وجسور الحوار، وسرق أوقات العمل والتحصيل العلمي وساعات النوم وأفرغ التواصل الحقيقي مع المجتمع، حتى بات الفرد جسدا في الواقع بينما عقله وذهنه في حالة تشوش، وكأننا انتهينا من أمور حياتنا وأعمالنا وعالجنا مشكلاتنا وخططنا للمستقبل باستثمار العقل والوقت، ولم يعد أمامنا إلا التواصل الافتراضي.
إذا استمر الحال بهذا الشكل التدميري، فحقيقة نحن نعيش مشكلة خطيرة وحياة فارغة لا يملؤها إلا الكلام والثرثرة واللغو والاساءات في اتجاه واحد أو (رايح- جاي) والكل معجب برأيه ولا يرى إلا ما يقول وينقد وينشر، حتى تضخمت النرجسية في النفوس والازدواجية بين واقع الشخص والسفسطة على صفحات الانترنت التي هي ثمرة تطور حضاري انتجه العالم المتقدم ويوفر خدمات جليلة للبشرية ويحسن استخدامها بنسبة كبيرة وضوابط تحمي الصغار والمراهقين، لكن هذا هو حالنا الذي لا يخفى على أحد. نشكو من الشيء ونتمسك به على طريقة (لا بحبك ولا أقدر على فراقك).
العالم يفكر ويبدع ويبتكر وينتج، ونحن نستهلك ونتكلم، والجوال آخر ما نضعه قبل الأكل والصلاة والنوم، وأول ما تلتقطه أيدينا بعدها، وبات من الصعب السيطرة على النفس وحماية الأبناء، حتى داهمتنا كوارث من تورط واستهداف من جماعات إرهابية لمراهقين وشباب صغار نتركهم في عالم مفتوح مجنون، يرون ويسمعون ما كان يخجل من ذكره أولياء الأمور، ولو كانت إجابة بسيطة لأسئلة بريئة براءة زمن ولى مع ضياع البوصلة التربوية في الأسرة ومن الإرشاد التعليمي ولا حياة لمن تنادي.
اليوم مكاتب الموظفين اختلط فيها العمل بالتسالي، فلا الموظف بات منتبها لعمله ولا تركيز مع مراجع ولا ملفات، ولا الأسرة هي الأخرى يهمها هذا الخطر، والمجتمع يدفع ثمنا فادحا من كشف خصوصيات والإساءة لسمعة الناس وأعراضهم وحالات ابتزاز وحالات طلاق وشكوك وتربص وتلصص، ونشر إشاعات عن جهل أو مرض، وفوضى الجروب دون استئذان ولا خصوصية، وكل واحد يقتحمك بمجموعته لينقل لك أو عنك، وخطأ واحد مقصود أو مصادفة يسبب جروحا وخلافات، ورسائل ليل نهار، وعيونا ترصد من قرأ الرسالة ومن أهملها، ومن مشغول ومن سهران.
ألهذا الحد وصلت بنا الأمور في تفكيك المجتمع، مع أنها مخالفة بوضوح لتعاليم ديننا الحنيف من أخلاق الستر والاستئذان وتحريم الغيبة والنميمة والتشهير، فماذا بقي مع تآكل التعاليم الإسلامية وأخلاق الإسلام في حياتنا، وما الفارق بين جرائم ابتزاز وسب وتشهير في الواقع وبين ما يحدث على شبكات التواصل ممن يجيدون هذا السفه بتلبيسات إبليس للنيل من سمعتهم وكرامتهم وربما تفكيك أسر، فلماذا هذا الإصرار على التدني!.
اتقوا الله في أنفسكم وفي عباد الله، وللأسف مؤسسات المجتمع التربوية والإعلامية والدعوية لاتزال الحاضر الغائب وسط هذا الطوفان الخطير.