مهما حاول الكاتب أن يفلت من شباك السياسة؛ إقليمية أو خارجية، لا يستطيع، لسبب بسيط، وهو أن الكاتب -وكذلك الأديب- جزء لا يتجزأ من المجتمع الذي يعيش فيه، لهذا السبب أجدني مستفزا من تصريح المستر «بان كي مون» الأمين العام للأمم المتحدة، ومستفزا بصورة أكبر من رد الفعل الوقح والمتبجح لرئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو.
أما المستر «كي مون»، فقد أعلن -على استحياء- في جلسة مفتوحة أمام مجلس الأمن الدولي حول الشرق الأوسط أن التدابير الأمنية وحدها لن توقف أعمال العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنها تعجز عن معالجة الشعور العميق بالاغتراب واليأس لدى بعض الفلسطينيين، وخاصة الشباب، وأن الإحباط الفلسطيني ينمو تحت وطأة نصف قرن من الاحتلال، وشلل تام في عملية السلام.
يأتي استفزازي هنا من هذا التصريح لأنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى جرائم إسرائيل التي تصل إلى حد الإبادة أو ما يسمى في الأعراف الدولية «جرائم ضد الإنسانية»، كما لم يشر إلى ضرورة تطبيق إسرائيل لقرارات المنظمة الدولية التي يتولى أمانتها، بل حتى لم يعلن إدانته للإرهاب الصهيوني، والطامة الكبرى أنه يسمي مقاومة الاحتلال عنفا.
عموما، تجرأ الرجل وقال ما قال، في وقت عجز سابقوه عن الفعل أو القول عما في نفوسهم، أما الاستفزاز الأكبر فقد جاء من رئيس وزراء العدو الصهيوني حيث قال في بيان صادر عن مكتبه، أوردته وسائل الإعلام العبرية: إن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة تشكل رياحا خلفية للإرهاب، واعتبر أن الأمم المتحدة قد فقدت حياديتها وقوتها الأخلاقية منذ زمن طويل، وتصريحات الأمين العام لا تحسن أوضاعها.
العجيب أن يتحدث نتنياهو «النتن» عن الأخلاق، وهو الذي يقتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، وأكثر عجبا أن يتحدث عن الحيادية التي فقدتها المنظمة الدولية، وهو لا يدرك أنها فقدتها بالفعل لصالحه، ولصالح دولته الإرهابية، يوم أن تقاعست عن فرض أي عقوبات عليها، نتيجة عدم التزامها بالقرارات الدولية، ويوم أن تحولت أمريكا -من خلال حق النقض «الفيتو»- إلى حامية للإرهاب الإسرائيلي ومشجعه له، ويوم أن وقفت -بدعم أمريكي وبريطاني- ضد أي قرارت تنصف الشعب الفلسطيني، حتى ولو بمجرد الإدانة للمحتل الغاصب.
لقد فقدت المنظمة الدولية حياديتها، بل ومصداقيتها، حين ساوت بين الجلاد والضحية، وحين وقفت متفرجة، بل وربما منتشية، بمنظر القتلى والضحايا الأبرياء من الشعب الفلسطيني.
أكاد أجزم بأن المستر «بان كي مون» لو تجرأ مرة أخرى، وأصدر تصريحا، أو حتى تلميحا، معاديا، عفوا، مستهجنا لسلوكيات إسرائيل وسياستها الإجرامية في الأراضي المحتلة، فستوجه إليه أصابع الاتهام الصهيونية بأنه معاد للسامية، ولا أستبعد أن تتم محاكمته، كما سبق لفرنسا -راعية الحرية- أن حاكمت المفكر الفرنسي المسلم «روجيه جارودي»، لمجرد أنه تشكك في ما يسمى بالمذابح النازية ضد اليهود في ألمانيا.
ولا أدري ما يسمي النتن نتنياهو التواجد الصهيوني اليهودي في الضفة والقدس الشريف، هل هو «سياحة يهودية» أم أنه احتلال بغيض.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تترجم هذه التصريحات إلى قرارات حاسمة؟ ومعها أعلم أن مون لن يستطيع مواجهة «اللوبي» الدولي المؤيد لإسرائيل، لكنه بحاجة ماسة إلى دعم الجانب العربي والإسلامي، إن لم يكن خلال فترة أمانته للمنظمة، فبعد أن يتركها، إذ قد لا تدعك إسرائيل تهنأ بما بقي لك من العمر.
أتمنى أن تواصل يا «معالي الأمين» حتى ولو بمجرد التصريحات التي تكشف حقيقة العدو الصهيوني، فما أظننا ننتظر ما هو أكثر فاعلية وحسما من هذا.