قد تعجب عزيزي القارئ عندما تقرأ عنوان مقالي هذا، ولكن إذا عرف السبب ــ كما يقولون ــ بطل العجب، وإليك التفاصيل :
أكدت منظمة «أوكسفام» البريطانية ــ مع قبيل انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس بسويسرا أن الثروات التي جمعها 1 % «واحد بالمئة» فقط، من أثرى أثرياء العالم خلال العام الماضي، قد فاقت ما يملكه 99 %، وقد جاء في تقرير لهذه المنظمة تحت عنوان «اقتصاد في خدمة 1 %»، أن الفارق بين المجموعة الأكثر ثراء وباقي السكان قد ازداد عمقا بشكل كبير خلال الشهور الاثني عشر الماضية.
وأشار هذا التقرير إلى أن «أوكسفام» قد تكهنت بأن 1 % سيملكون أكثر من باقي سكان العالم في عام 2016، إلا أن ذلك قد حدث بالفعل في 2015، أي قبل عام من توقعاتها، كما أشارت المنظمة إلى أن 62 شخصا ــ أي والله «62 شخصا» فقط ــ يملكون ما يساوي ما يملكه النص الأشد فقرا من سكان العالم.
ولا أريد هنا أن أثقل على القارئ الكريم بما نشرته «أوكسفام» من أرقام وإحصاءات مخيفة بحق، لكني أكتفي بما ذكرت، وأقف قليلا عنده، فنحن جزء من هذا العالم، ومنا الأثرياء وبيننا الفقراء.
وبداية أقول : إن ما ينطبق على الأفراد ينطبق بشكل أو بآخر على الدول، فهناك دول ثرية تسيطر على مقدرات وثروات تفوق احتياجاتها ربما لعقود قادمة، وهناك دول لا يجد معظم سكانها كوب ماء نقي، ناهيك عن الطعام والعلاج والملبس والمسكن، ومن العجيب أن تعقد المؤتمرات والمنتديات العالمية التي ترفع شعارات براقة، حول الفقر والفقراء، والنتيجة دائما: أن الأثرياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرا، وكأن هذه المؤتمرات إنما تعقد لخدمة الأثرياء.
وسبب هذا الخلل ــ في اعتقادي ــ إنما يرجع إلى السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدول الكبرى بالدرجة الأولى، فاستغلال أرباب الأعمال وأصحاب المصانع للعمال، والنظام الإقطاعي الذي ما زال سائدا في بعض مناطق الهند ــ مثلا ــ هو سبب رئيسي في هذه الهوة الشاسعة بين الأثرياء والفقراء.
والقوانين والأنظمة السائدة في كثير من هذه الدول، في ما يتعلق بالنظام الضريبي، الذي يخدم في الغالب طبقة الأثرياء، سبب آخر.
وسيطرة أصحاب رؤوس الأموال ــ وبخاصة اليهود ــ على مقدرات دول غربية عديدة، ومن ثم السيطرة على اقتصادها وتحريكه لصالحهم، هو سبب ثالث.
الأسباب كثيرة، ولو أضفنا إليها انعدام البعد الديني في المعاملات الاقتصادية بعامة، والحياة الاجتماعية بخاصة، واختفاء الطبقة الفقيرة من هذا البعد، لأدركنا حجم الخطر المحدق بالفقراء.
لقد حل الإسلام هذه المعضلة، بأن جعل في مال الأثرياء نصيبا مفروضا محددا مقدرا، يؤخذ منهم ويرد على فقرائهم في بلدانهم، بل لم يكتف الإسلام بالزكاة التي جعلها ركنا من أركان الدين، وجعل في أمول الأثرياء حقا آخر غير الزكاة للفقراء، وهو ما نصت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم ٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ».
مشكلة الفقر مشكلة أزلية، ليست محصورة في زمان أو مكان بعينه، وإنما اهتم بعلاجها الإسلام، وقدم لنا سبل العلاج التي لا تنحصر في الزكاة ونحوها، وكذلك في تحريم الاستغلال للبشر، وتحريم الاحتكار للسلع، وغيرها من الوسائل التي يطول شرحها في هذا المقام.
صدقوني، لو طبق العالم كثيرا من معطيات الإسلام لعلاج الخلل القائم في الاقتصاد العالمي، لربما انعكس ما جاء في تقرير «أوكسفام» ولوجدنا في العالم 99 % من الأثرياء، وواحدا بالمئة فقط من الفقراء، وليس ذلك على الله ببعيد.