عقب زيادات الوقود والكهرباء وغيرهما مؤخرا، انطلق سعار الجشع في الأسواق كعادته أيضا في التربص لأية زيادة لرواتب أو منحة، في حالة إصرار عجيب ومؤسف على الاستغلال ليبدو كالمنشار «طالع نازل» على جيوب المستهلكين. فالموردون والتجار باتوا لا يحتاجون مبررات لرفع الأسعار، لأن حماية المستهلك هي الحاضر الغائب رغم مرارة الشكوى والواقع لا يحتاج إلى أمثلة من تكلفة الخدمات وبقالات ومطاعم.
إذا كانj أسعار السوق الحر يحددها العرض والطلب، فإن الطلب في ظل الغلاء يبدو في نزول نسبي لتراجع القدرة الشرائية، أما معروض السلع فيبدو في زيادة، وأيضا تزايد عدد وفروع مراكز التسوق والمحلات والمطاعم، وهو مؤشر على ضخامة فرص الربح من الأسواق هذه الأيام، لهذا من العجب أن يستمر تصاعد الأسعار رغم توفر كل شيء، لأنه الجشع ولا حياة لمن تنادي.
إذا كانت الزيادات في تعرفة الكهرباء والوقود على الجميع، فإن التجار والأسواق عموما استردوها أضعافا مضاعفة، حتى سيارات الأجرة والنقل والإيجارات، بينما المستهلك يبدو في حالة (أنيميا مادية حادة) وهو مضطر أن يدفع ليستر حاله قدر الإمكان في طعامه وشرابه وسكنه، وإذا نظرنا في دائرة أوسع نجد العمالة المنزلية نالت ما تمنت وطلبت وتدللت علينا من أجله، بينما المواطن تحمل فاتورة ذلك أيضا بمضاعفة تكاليف الاستقدام رغم التلاعب في المواعيد.
هذا غيض من فيض موجة الغلاء والتضخم الذي لا يعود إلى الوراء، والقادرون وحدهم من يتحمل ذلك، لكن غير القادرين تتسع شرائحهم وكثرت معاناتهم الحياتية. صحيح أن تضخم الأسعار تشكو منه الدنيا كلها بنسب متفاوتة، لكن عندنا له أشكال وأقنعة وذرائع عبقرية، ففي دول ذات الاقتصاد الحر بمعنى الكلمة تكون زيادة الأسعار تدريجية ومعقولة (3-5 في المئة) وإذا ارتفعت استثنائيا، سرعان ما تعود لمعدلاتها الطبيعية والمطاعم والمحلات هناك تضع أسعارا محددة وتنافس بها، أما عندنا فكل يغني على أسعاره (واللي مو عاجبه يدق راسه في الجدار أو الباب يفوت جمل بما حمل!).
وزارة التجارة وأهل الاقتصاد عموما يعلمون جيدا أن زيادة أسعار بعض الخدمات من الدولة يعبقها توقعات جادة بتضخم في السوق يستفحل بغياب الرقابة، فماذا أعدت وزارة التجارة والرقابة لحماية المستهلك وضبط هذه الفوضى السعرية؟ وإذا كانت الوزارة تشكو من قلة عدد المراقبين، ألا يستحق هذا الخلل إجراءات سريعة وعلاج هذا النقص في المراقبين، وفي هذا يرى البعض إمكانية التعاقد مع متطوعين أو وفق أنظمة توظيفية وصلاحية محددة، وتدريبهم كمعاونين لتسجيل مخالفات الأسعار، وتتولى الجهات الرسمية التعامل مع الاستغلال وفرض عقوبات مشددة.
نسمع عن حملات لمكافحة الغش ومخالفات النظافة وغيرها، لكن المشكلة العويصة في زيادات الأسعار دون حماية وارتفاع تكلفة الخدمات والفنيين والعمالة، ناهيك عن تفشي أسواق السلع المقلدة الرديئة في متناول شرائح واسعة، رغم ما قد تسببه من أضرار صحية، لأن شعار مستوريها (ما نقصت جودته وزادت مكاسبه).
شبعنا تصريحات والمشكلة تستفحل، ولا بد من لجم الغلاء بإجراءات حماية فاعلة على الأرض. ويبقى على المستهلك دوره أيضا في الوعي بمحاربة هذا الغلاء بالترشيد وتنظيم أولوياته وحاجاته الشرائية وإلا فإن الغلاء سيلتهم ما تبقى له من دخل إن بقي أصلا منه شيء.