انتهت الانتخابات البلدية وجاءت بنتائج طيبة لا تخلو من مفاجآت ومفارقات تستحق التوقف عندها كمؤشر إيجابي لواقع التطور الطبيعي للمجتمع، فهذه الدورة كانت فيها المرأة ناخبة ومرشحة، وفازت العشرات بأصوات الناخبين والناخبات على السواء ونتوقع تعزيز عددهن في نسبة التعيين من الملك حفظه الله.

هذه رسالة مهمة تؤكد حرص المجتمع عامة والمرأة خاصة، على تحقيق مقاصد الإرادة السياسية الحكيمة بدخول المرأة المجالس البلدية، كتجربة أشمل وأوسع من انتخابات مجالس الغرف المرتبطة بقطاع محدد، وتفعيل استحقاق نوعي يبني لمستقبل ممارسة انتخابية أكبر في مجلس الشورى. ودعونا هنا نحيي جهود كافة المسؤولين والقائمين على انتخابات هذه الدورة في الدقة والتنظيم والتواصل الإعلامي في كل مرحلة بالشرح والإيضاح للأنظمة والضوابط.

في انتخابات موسعة كهذه وبمشاركة المرأة، عادة ما يكثر الحديث عن دور العصبيات الانتخابية، وهذا أمر طبيعي وقائم ويصعب تجاهل تأثيره حتى في كثير من الدول، والقاسم المشترك هو التكتلات القبلية، لكن المفارقة أن هذه التكتلات نفسها صعدت مرشحات حتى الفوز وكانت التوقعات عكس ذلك، وهذا يعكس تطورا وإرادة مجتمعية، وتمسك المرأة باستحقاقها، فساهمت بذلك في أن تكون تجربة راقية لفتت انتباه الخارج أيضا وجذبت اهتمامه في اتجاه إيجابي رغم جهالة النشاز منه، كما أن هذه الدورة جاءت بعكس الدورتين السابقتين اللتين شهدتا تخندقا لتيارات وتكتلات فكرية ذكورية إقصائية.

عموما نجحت الانتخابات وبدأت المسؤوليات لتكون المجالس البلدية الصوت الحقيقي للمواطنين وعيونهم، فالمطلوب دور فاعل وفق الصلاحيات، والمواطن ينتظر خدمات ومشاريع تجعل الحياة في مدينته ومحافظته ومركزه أكثر راحة ويسرا وأمانا بيئيا، وهذا هو التحدي الأهم، حتى لا يغيب صوت المجالس البلدية وجهودها وتنتهي السنوات الأربع مدة الدورة، لنقول (كأنك يا أبو زيد ما غزيت) أو أعذار (ليس بالإمكان أبدع مما كان).

انتهت الشعارات الانتخابية دون ضجيج، ومع بدء الدورة الجديدة تبدأ اختبارات المصداقية بمراجعة خطط البلديات ورصد حاجة الأحياء من الخدمات والمرافق، وتحقيق العدالة في المشاريع داخل المحافظات والاستفادة الحقيقية من ميزانية كل أمانة وبلدياتها في مشاريع حيوية بعضها تأخر كثيرا، ومواجهة حمى الضنك، وبيئة أكثر صحة، والتخطيط للتوسع العمراني.

كثيرة هي تطلعات المناطق في مختلف القطاعات، وهي تستحق المزيد من الأمانات والمجالس البلدية والإدارات الحكومية الأخرى، لتليق مدننا بمكانة وإمكانات المملكة. صحيح أن الاحتياجات لا تتوقف، لكن العمل كفيل بالعلاج وتجاوز البكاء على اللبن المسكوب بشأن العشوائيات، ومرافق حضارية أساسية تأخرت كثيرا، وتستدعي اليوم عمليات جراحية مكلفة في كل مجال، بعد أن تعب البشر والشوارع والطرق.

المدن المتطورة تطيب فيها الحياة بالأهداف الواضحة والرؤى والتخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الدقيق، وأيضا بتطبيق الأنظمة والارتقاء بالسلوكيات العامة في نظافة المدن، والاستجابة لكل الضوابط الحضارية، وأعتقد أن دور المجالس البلدية وإن كان محددا بأنظمة وصلاحيات، إلا أنه يستوجب روح المبادرة بالتواصل وعبر الإعلام، للإسهام في إعادة ثقافة الحفاظ على المصالح العامة، لا التعديات والمخالفات.

نتمنى أن يكون الواقع هو الميدان الأول لعمل المجالس البلدية، وأن تكون مقارها وغرف اجتماعاتها مرآة عاكسة للتطلعات في خدمات بلدية سريعة التطور، ومرافق أكثر وإجراءات أبسط وأيسر لحياة أسهل، مع دعواتنا للجميع بالسداد.