عقدت في الرياض القمة الخليجية لدول مجلس التعاون الخليجي السادسة والثلاثون، وجاءت هذه القمة في ظروف لم تشهدها المنطقة العربية بعامة، والخليجية بوجه الخصوص، من قبل، ففي الجنوب، يشهد اليمن الشقيق خروجا سافرا على الشرعية، وتآمرا بين رئيس خلعه شعبه، تحالفوا مع متمردين ينتمون إلى جماعة الحوثيين التي تستمد عونها وقوتها من إيران، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة لزعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، كي تحقق أحلامها الخيالية، وأطماعها في الهيمنة والسيطرة، عن طريق زرع القوة التابعة لسلطانها في دول المنطقة، وحتى تنفرد بالثقل السياسي على الساحة الدولية، ولا بأس أن تحقق أهدافها هذه على أنقاض الدول المجاورة لها. فالأوضاع في اليمن الشقيق لم تكن ماثلة وحاضرة في اجتماع القمة الخليجية الماضية، ومن ثم، فهي تفرض نفسها وبقوة على ساحة هذه القمة الجديدة.
أما عن الأوضاع في سوريا الشقيقة، فهي وإن كانت ذات جذور تعود إلى سنوات مضت، إلا أن تدخل الدول الكبرى بشكل علني ورسمي، وهو ما تمثل في الحرب المباشرة التي تشنها القوات الروسية على ما يسمى بتنظيم «داعش» من جانب، وقوى المعارضة من جانب آخر، والدور التركي العلني الذي تشهده الساحة، كلها ظروف وملاءات لم تكن حاضرة – كذلك – في القمة السابقة للتعاون الخليجي.
فتزايد الأمور تعقيدا في العراق، فيما تشنه قوات التحالف الدولي من هجمات على قواعد «داعش»، كلها أوضاع جدت فيما بين قمتين السابقة والحالية.
أما التدخل الإيراني في شؤون سوريا ولبنان والعراق، فقد بلغ حدا لا يمكن السكوت عليه، و لا يمكن أن يقابل بحسن النوايا، إلا من السذج والبلهاء، الذين لا يقدرون خطورة هذا الدور، وهذا الوضع – كذلك – هو من المستجدات على الساحة العربية.
ولما كانت دول الخليج العربي، هي ذات علاقة وثيقة بما يحدث جنوبا وشمالا وشرقا، فلا يمكن لقمة هذه الدول أن تترك هذه القمة دون أن تصل إلى قرارات عملية وواقعية لمواجهة الأخطار المحيطة بها، وعليه فإن على هذه القمة التوصل إلى نتائج استثنائية، لأنها تعقد في ظروف استثنائية، وهذا يتطلب أن تتجاوز هذه الدول أي خلافات بينها إن وجدت، بل عليها أن تضيق أي تباينات في المواقف والآراء، وتذكروا تلك المقولة الشهيرة جيدا: «أكلت يوم أن أكل الثور الأبيض»، وأن سقوط سوريا والعراق واليمن للنفوذ الإيراني يهدد كيانات كل دول الخليج، والتهاون في مواجهة هذا التوسع الإيراني يعني تفريطا في الحفاظ لا على أمننا القومي فحسب، بل على جوهر وجودنا في المنطقة.
فالقادة والزعماء الخليجيون يقدرون تلك الأمانة الملقاة عليهم من شعوبهم، ويتخذون من القرارات السياسية والعسكرية، بل والاقتصادية، ما يدعم قوة بلادنا. نعم نحن بحاجة إلى مزيد من القراءات المصيرية الحاسمة، التي تصد أي عدوان محتمل، وأن تبعث الثقة في نفوس الخليجيين، وأن تحقق الضمانات الضرورية لمستقبل هذه الدول، وعليهم – في الوقت ذاته – ألا ينسوا خطر «داعش» الذي لا يقل عن خطر إيران وأذنابها، فنحن مستهدفون من كل قوة الشر والظلام، بل نحن محاصرون من قبل من يستهدف بلادنا وخيراتها، بل وعقيدتنا، التي أفسدها مثل هؤلاء الخارجين عن مضمون الدين الإسلامي وروحه.
نحن في ظروف استثنائية، في جميع الأحوال، فالقمة جاءت على قدر المسؤولية الملقاة عليها، والآمال المعقودة من وراء اجتماعاتها، عليها كانت قمة استثنائية لدرء الأخطار، وبث الطمأنينة في قلوب الملايين من أبناء الخليج العربي. والله غالب على أمره.