كم أعجب كثيرا، وأقع في حيص بيص -كما تقول العرب- وأنا أشاهد أمما وشعوبا ودولا، بلغت شأوا كبيرا في مجال العلم والتكنولوجيا، حتى غزت العالم شرقا وغربا. ولم ترق بنفس الدرجة في تفكيرها الميتافيزيقي -ما وراء الطبيعة-، ومن ثم تفكيرها العقائدي، ولعلي أعني هنا في المقام الأول الهند، التي تفوق في صناعة البرمجيات. وهي -كما نعلم- دولة نووية، ثم الصين، وهي التي غزت العالم كله، بما في ذلك أمريكا ودول أوروبا، بمنتجاتها عالية الجودة، في كل المجالات، وبتنا نسمع عن اتفاقيات بالمليارات تعقد بين الصين، ودول أخرى، لإنشاء سكك حديدية سريعة وعملاقة، منها ما هو تحت الأرض، ومنها ما هو على الأرض، بل ونوع ما يربط بين مدن، في الجو، أي والله، وسمعنا بذلك مؤخرا، في ما يدور من تفاهمات بينها وبين دول عربية شقيقة.
وليس في هذا التقدم الصناعي والتكنولوجي ما يدعو إلى العجب، فثمة دول في العالم، بشرقه وغربه وصلت إلى درجات عالية في هذا المضمار، ومن ينظر في ما حوله في بلادنا، سيجد آثار هذه الدول في ما نستخدمه من آليات ومعدات، بل في ما نلبسه وتأكله ونشربه.
فيم العجب إذن؟!
لقد قرأت مؤخرا عن تقديم ثلاثة من الصينيين إلى المحكمة في مقاطعة «شانش» شمال الصين، لسرقتهم جثة امرأة من أحد القبور، وبيعها كعروس -نعم كعروس- «لمتوفى أعزب»، للزواج منها في العالم الآخر!!
وهذه الجريمة، ليست الأولى من نوعها، إذ ثمة معتقدات قديمة لدى الصينيين، في بعض أجزاء من هذا البلد المترامي الأطراف، بأن من يموت من الرجال أعزب، يجلب النحس!! لعائلته بعد وفاته، وعليه، يجب أن يدفن مع جثة أنثى، كطقس يرمز إلى «زواج الموتى». وقد اعترف المتهم الرئيسي في هذه القضية، وعمره 72 عاما، بأنه كان يبيع جثث النساء المتوفيات، كعرائس للرجال العزاب الراحلين، وأنه قد أقدم على بيع جثة هذه المرأة، بعد أن سمع بوفاتها في قرية مجاورة لقريته. ومما يذكر، أن سعر الجثة قد بلغ 25 ألف يوان صيني، أي ما يقرب من أربعة آلاف دولار أمريكي.
إنها شعوب تقدمت في المجالات الحضارية المادية، ولم تستطع التقدم في مجالات الفكر العقدي، بحيث لم تدرك مفهوم الموت، الذي يسلب من الجسد الإنساني خصائصه المميزة له في الحياة، لينتقل إلى عالم آخر، له خصائصه وسماته.
إنها هي بعينها سمات الفكر الجاهلي الذي ساد بلاد العرب وغيرها، قبل أن يبعث الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- لينير للعقول طريقها، وليحفزها ويدفعها إلى التفكير العقلي في ما وراء اللون المادي الذي يحيط بالإنسان، ليصل المرء بنفسه، وعن طريق إعمال العقل، إلى وجود الخالق، وتفرده، وليزحزح تلك الأساطير والخرافات التي عاشت فيها البشرية من العقول، ولتحل محلها مشاعل الإنارة والاستنارة.
هؤلاء وأمثالهم، لم يعملوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، تماما كهؤلاء المدعين الذين لم يعملوا عقولهم في كتاب الله تعالى، أو انحرفوا في توظيف العقول لفهم النصوص حسبما يريدون، فضلوا وأضلوا.
إن نعمة الإسلام لا تعادلها نعمة، ونعمة العقل الذي يوصلنا إلى فهم حقائق الكون، هي أيضا نعمة الإسلام التي لا تعادلها نعمة، فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على العقل الرشيد.