كلنا يعرف أن للمجتهد إذا أصاب أجرين، وإذا أخطأ فله أجر واحد، قد يعجب المرء من ذلك، إذ كيف يخطئ المرء ويثاب على ذلك؟! والجواب يسير: إنه أجر التفكير وإعمال العقل، تلك الفريضة الغائبة عن عقولنا، البعيد عن ممارساتنا، مع أننا نستشهد في محافلنا ومجالسنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لكننا، وللأسف، نقول ما لا نفعل، وأخشى أن يقودنا ذلك إلى الوقوع في المحظور.
هذا حال بعضنا، أما البعض الآخر، فلا يرى صوابا إلا رأيه، بغض النظر عما إذا كان هذا الرأي وليد التفكير، أم هو رد فعل عفوي تلقائي عجول، مع أنه لا يوجد من البشر من لا يصيب، ولا يوجد منا كذلك من لا يخطئ في كل حال وزمان.
تذكرت حالنا هذا وتراثنا الناصع الذي نغفل عنه، ومنه مقولة الإمام الشافعي -رحمه الله- قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، وهنا لم يفكر الشافعي -رحمه الله- الحقيقة، ولم يزعم أنه قد ملك نواصي الأمور، وأنه قد أوتي من العلم ما لم يؤته أحد قبله ولا بعده، ولهذا بقي علم الشافعي خالدا، وانتشر بين ربوع العالم، بينما اندثر أولئك الذين زعموا أنهم قد جمعوا داخل عقولهم المحدودة في حجمها وإمكاناتها علم الأولين والآخرين، فكفروا وزندقوا وأخرجوا من الملة كل من خالفهم، وكيف لا يفعلون ذلك، وقد أصدروا أحكامهم وفتاواهم دون إلمام بأصول الفقه، بل دون معرفة بدلالات ألفاظ اللغة العربية ومعانيها عبر العصور.
لقد لفتت انتباهي عبارة بليغة للعالم الغربي (ألبرت أينشتاين) قال فيها: أني أفكر وأفكر لشهور وسنوات، ثم أخرج في تسع وتسعين مرة بنتيجة خاطئة، وفي المرة المائة أكون مصيبا.
آينشتاين العالم العبقري الفذ، يفكر ويجتهد، ويخطئ تسع وتسعين مرة، ثم يصيب في المرة المائة، بينما (بعضنا) لا يفكر -ولو لمرة واحدة- ويخرج بتسع وتسعين، بل وبمائة نتيجة، ولا يرى فيها إلا كل الصواب والحقيقة.
لهذا، خلد التاريخ والعلم، آثار تفكير آينشتاين، وأهمل التاريخ والعلم، بل والفكر الإسلامي، آثار هؤلاء الحمقى والمتغطرسين، الذين زعموا أنهم قد تملكوا الحقيقة وحدهم، حقيقة الدين وأحكامه، حقيقة فهم النصوص ودلالاتها، حقيقة مشاكل العصر ومتطلباته.
لو قلت: ليكن لنا في الشافعي وأمثاله عبرة، لاتهمني البعض بالجمود والتخلف، ولكني سأقول لهؤلاء: ليكن لكم في آينشتاين عبرة، لعلهم يقبلون نصيحتي، أما إذا رفضوها، فلا نصيب لهم من علم وفقه وحكمة الشافعي، ولا علم آينشتاين كذلك.
فلنجتهد، والاجتهاد لا يأتي إلا بإعمال العقل، أي بالتفكير والتدبر، فإذا أصبنا -فبها ونعمت- وهنيئا لنا بالأجرين، وإن أخطانا، فلا عدمنا الأجر والثواب.
هذه عظمة ديننا، وسنة نبينا، أفلا تعقلون؟!