تفاجأنا في الأيام الأخيرة بقصة التحرش التي تعرض لها بعض النساء في مدينتي جدة والطائف. فهناك بعض الشباب لم يعد يملكوا الاحترام والذوق والأدب وقبل كل ذلك ضعف الدين والأخلاق. في الماضي كان هناك رقي في التعامل وحياء ومحافظة على حقوق الجار والغير، فكان الرجل الحر إذا رأى امرأة محتشمة لا يتعرض لها أبدا، وإذا رأى غير المحتشمة غض البصر.
نعم مكافحة التحرش تأتي من التربية في المنزل والمسجد والمدرسة والمجتمع فالجميع له دور مهم في التوعية وهو الأساس في زرع المبادئ والخوف من الله. ولكن لا يغني ذلك عن تقنين عقوبة رادعة للمتحرش، فهناك بعض الناس لا يردعه سوى العقوبة الصارمة (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). ولذلك فإن الحل الأمثل هو أن يتم إصدار قانون يكافح التحرش يتماشى مع النظام الإسلامي. خاصة أن هناك دراسة حديثة أجرتها الباحثة السعودية نورة الزهراني تحت عنوان: «التحرش الجنسي بالنساء» وكانت على عينة عمرية بدأت من سن 18 وحتى 48 ، فوجدت أن 78% من العينة تعرضن لتحرش جنسي مباشر، فيما أكدت 92% من نفس العينة على أن التحرش الجنسي في ازدياد.
وقد قطع مجلس الشورى شوطا كبيرا في مناقشة مشروع قانون التحرش في الأعوام الأخيرة ولكن للأسف تم إيقافه. وقد اقترح المجلس أن ينص مشروع القانون على: «عقوبة للمتحرش جنسيا بالسجن عاما وبغرامة تصل إلى 100 ألف ريال». كما جاء فيه أيضا: «أن السلوك يعتبر تحرشا جنسيا معاقبا عليه إذا كان فيه قول أو عمل أو إشارة أو موقف - لا يدع مجالا للشك في دلالته - على الرغبة في الإيقاع الجنسي بالطرف الآخر أو إهانته أو استفزازه أو تحقيره بسبب جنسه أو مجرد خدش حياء الأذن أو خدش حياء العين».
وللرد على بعض القائلين بأن إصدار قانون لمكافحة التحرش يعتبر مدعاة للاختلاط. نقول إن هناك اختلاطا حقيقيا موجودا في مجتمعنا (لا داعي لإنكاره) ولكن بضوابط في بعض الشركات والمستشفيات والجامعات ومجلس الشورى وغيرها وهذا القانون سيكون سلاحا في أيدي الموظفات ضد من يتحرش بهن أو يتجاوز حدوده معهن.
بعض الباحثين رأى أن من عيوب هذا القانون أنه سيجعل المرأة هي الوحيدة التي لها حق أن تقدم شكوى ضد من تحرش بها، في الوقت الذي لا يعطي القانون هذا الحق لأي طرف آخر، وبالتالي لا يحاسب من يتحرش بالمرأة إذا كانت راضية بهذا التحرش أو المعاكسة. وحلها هو أن ينص القانون على أن هناك (حقا عاما) ودورا مجتمعيا يكفل للمجتمع حق الشكوى ضد المتحرش حتى لو لم تشتكِ المرأة في حقها الخاص.
كما لابد أن يحتوي النظام على عقوبة صارمة على المرأة المتبرجة والسافرة التي تخرج بملابس تلفت النظر وتجذب الرجال وتدفعهم لأذيتها والتحرش بها. فلا يمكن أن يكون هناك عقوبة فقط للرجال المتحرشين في الوقت الذي لا يكون فيه عقوبة للنساء اللاتي يدفعن الرجال للتحرش بهن.
إن صدور هذا النظام أصبح ضرورة قصوى، وعند صدوره فلابد من تطبيقه بشكل دائم مستمر، لأن وجوده مع عدم تطبيقه سيجعل هناك خللا في المجتمع كبيرا وسيدعو البعض للتهاون بالقانون. فلا يمكن لقانون مهم كهذا يسد ثغرة جوهرية في المجتمع أن يترك حبرا على ورق بعد إصداره، وإلا صار عدمه أفضل.