كتاب ومقالات

العبرة الخطيرة لانفجار مكوك تشالنجر

بشرى فيصل السباعي

في يوم 28 يناير من عام 1986 فجع العالم بما حدث لرحلة فضائية معتادة لمكوك فضائي يسمى تشالنجر حيث انفجر بُعيد لحظات من إطلاقه وقتل كل طاقم المكوك السبعة، فأعلنت ناسا إيقاف كل رحلاتها الفضائية لمدة 23 شهرا حتى يتم التوصل لأسباب الكارثة، وعكف مختصون بكل المجالات على دراسة أسبابها، فكانت الصدمة الأخرى هي أن العلماء والتقنيين العاملين بتصميم المكوك كانوا على معرفة مسبقة بالعيب التقني القاتل بالمكوك منذ عام 1977 لكنهم لم يبلغوا الإدارة العليا به؛ لأن نمط الإدارة في ناسا كان النمط الأبوي السلطوي التقليدي، حيث القرار هو فقط لسلطة مركزية واحدة، وعلى كل من دونها بالتراتبية أن ينفذ الأوامر بدون نقاش أو اعتراض أو نقد أو تصريح بحقيقة لا تريد الإدارة العليا سماعها تحت ضغط التخوف من الفصل من العمل، والمهندس الذي كان أول من اكتشف هذا العيب التقني استقال لإحباطه من نمط الإدارة، ولهذا باتت دراسة الثقافة الإدارية السلبية التي كانت وراء كارثة تشالنجر موضوعا رئيسيا للمختصين بالعلوم الإدارية، ومنهم البروفيسور مايكل روبرتو أستاذ علم الإدارة بجامعة هارفرد، الذي أصدر كتابا عن نتائج دراسته للأسباب الإدارية والثقافية التي تسببت بكارثة تشالنجر، وبدراسة لاحقة درس تأثير الثقافة والهيكلية الإدارية لمستشفى للأطفال على أحوال المرضى، فهاله رصد أن الممرضات اللاتي هن أكثر معرفة بحالة المرضى بحكم ملازمتهن لهم كن يحجمن عن تبليغ الأطباء أثناء اللحظات الحرجة التي تسبق التدهور المميت بحالة المرضى؛ لأن الثقافة السائدة هي أن الممرضات عليهن تنفيذ الأوامر فقط، وليس إبداء رأي طبي، لكنه وجد أن الحدس المهني للممرضات كان أدق من كل المؤشرات الأخرى لرصد حالة المرضى، فتم تشجيع الممرضات على المسارعة بتبليغ الأطباء عندما ينتابهن حدس مهني حول تدهور حالة المريض، ونتيجة لهذا التغيير الثقافي الإداري البسيط بلغت نسبة إنقاذ الحالات القابلة للإنقاذ 100%، وبدراسة أسترالية تم تطبيق ذات التغيير بالثقافة الإدارية فزادت نسبة نجاة المرضى بأكثر من 67% فقط بتشجيع الممرضات على التصريح بآرائهن وحدسهن عن حالة المرضى، وعالم آخر هو البروفيسور وليام ستاربوك أستاذ علم الإدارة بجامعة نيويورك أصدر كتابا عن دراسته لكارثة تشالنجر توصلت لذات النتيجة بأن سبب الكارثة كان الاستبداد الإداري، ولهذا الإصلاح الذي طرأ على ناسا بعد كارثة تشالنجر لم يكن تقنيا بقدر ما كان إداريا وثقافيا تم فيه فتح قنوات المساهمة في صنع القرار والترحيب بالآراء المخالفة.

bushra.sbe@gmail.com